الأربعاء، 1 فبراير 2017

الجيش المصري و شعبه 10

الجيش المصري و شعبه 10
-البداية
(7)

" فَأَجَابَه الشَّعْبُ قائلين: " حَاشَانَا أَنْ نَعْبِسَ فِي وَجْهِكِ أَوْ نَتَذَمَّرَ مِنْ حُكْمِكِ فَلَيْسَ لَنَا حاكِمٌ غَيْرَكَ أَنْتَ وَحْدُكَ مَنْ يَسْتَحِقْ، فَقَدْ خَلّصْتَنا مِنْ حُكْمِ الْعَبِيدِ، وَوَحَدْكَ صَنَعْتَ عَجائِب وطَرَائِف وحَفْرْتَ قَنَواتْ وتِرعَ عَلى النَاشِفْ ". فَيضْع الْباَشَا سَوطْه ويقول: " هَا أَنْتُمْ قُلْتُم، أَنْتُمْ مَنْ استَدعَيتمُوني، فَكُوِّنُوا شُهُودً عَلَى أَنْفُسِكُمْ لِأَنَّكم إِنْ طَلَبْتُم مِني الرَحِيلَ أَوْ ذَهَبْتُم تَبْحَثُونَ عَنْ غَيْرَي فَلَنْ تَأْخُذَنِي بِكَمْ رَحْمَة ". فَيرفَع الشَّعْبُ أَياديه مُبتهلاً: " فَلَتَشْهَد عَلَينَا غِرْبَان السَّمَاءِ وَفِئْرَانُ الْأرْضِ أَنَّكَ وَحْدُكَ حاكِمُنَا، بِكَ نَكُونً وَبِدونَكْ لَا يَكُون شَيْء، اِفْعَلْ مَا تَرِي وَاُمْرُنَا بِمَا تُرِيد، سَنكونْ طَوْعًا لِأُمرِكَ وَخَاتَماً لِإِصْبَعِكَ بَلْ حَتَّى لَوْ أَرَدْتَ سَنكُونْ ضِبَاعاً وكِلاباً تَحرُسَكَ وبِغَالاً ونِعَالاً تَحْمِلكَ". في تِلك اللحْظَة تُسْمِعُ أَصْوَاتَ تَأْتِي مِنْ خَلفِ البَاشَا تَهْتِف: " أَنْتَ هُوَ حاكِمُنَا الْأعْلَى ... أَنْتَ هُوَ حاكِمُنَا الْأعْلَى ". فَيَخِروا له سُجوداً مُردْدْين: " نَعَمْ أَنْتَ هُوَ ..... أَنْتَ هُوَ ""
الإصحاح العاشر من سفر الشئون المعنوية


توقفنا المرة السابقة عند تسلم عبد الله جاك مينو في 18 يونيو 1800م "الرئاسة" بعد مقتل كليبر وكان نابليون بعد انتصاره المُدوي على القوات العثمانية والتي كانت تُساندها البحرية الإنجليزية وقبل مغادرته لفرنسا قد أرسل لمينو خطاباً (1) في 23 أغسطس 1799م بتعيينه حاكماً لرشيد والإسكندرية والبحيرة جاء فيه: "    أيها المواطن جنرال (2) فلتذهب على الفور للإسكندرية فسوف تأخذ قيادة الإسكندرية ورشيد والبحيرة حيث سأغادر هذا المساء لفرنسا. الجنرال كليبر سيعود إلي رشيد في غضون يومين أو ثلاثة تأكد أن تُسلمه في وقت مناسب الظرف المطوي المٌلحق بهذا الخطاب والذي أعطيتك نسخة منه [...]"  و حينما نقرأ الرسالة التي أرسلها نابليون لكليبر نجد فيها إخباره بتعيينه قائداً للجيش و تعليمات و ارشادات و نصائح لما يجب عليه عمله و لكيفية إدارة الأمور في حال اضطر إلي الدخول في مفاوضات مع العثمانيين للخروج من مصر, لكن ما يهمنا الآن ما يقوله عن كيفية السيطرة علي "الجماهير" بدون أن يدخل في صدام مع ما يؤمنون به ويعتقدونه , حتي إذا تمكن من ذلك صار من السهل عليه هدم تلك المُعتقدات بسهولة مع الوقت . فبعد أن يوضح أهمية مصر لفرنسا حيث أنّ: " [...] الإمبراطورية التركية يتهددها الدمار من كُل جانب فهي اليوم في طريقها للسُقوط والرحيل عن مصر سيكون أعظم حسرة من أن نري تلك الولاية الجميلة تقع في أيد أوروبية آخري غيرنا[...]" يخبره بما يجب عليه فعله لكي يُحكِم سيطرته: " أنت تعرف أيها الموطن جنرال وجهة نظري في الطريقة التي يجب أن تُدار بها السياسة الداخلية في مصر. فالنصارى سيكونون دوماً أصدقائنا لذلك عليك أن تمنعهم من أن يكونون مُتغطرسين أكثر من اللازم لكيلا يوجه لنا الأتراك نفس التعصب (3) الذي يوجهوه لهم وعند هذا نكون قد جعلنا الأمر غير قابل للحل فأولاً يجب تخدير التعصب قبل أن نقتلعه من جذوره. إنه بأسر والاستحواذ على آراء شيوخ القاهرة الكبار نكون استحوذنا على رأي مصر كُلها وكل الزعامات التي من الممكن أن تكون لهذا الشعب. ليس هناك شيء أكثر خطورة من شيوخ خائفين جُبناء لا يعرفون القتال ولكنهم مع ذلك –كأشباههم من القساوسة- يثيرون التعصب في نفوس الناس بدون أن يكونوا هم أنفسهم مُتعصبين [...] لقد طلبتُ بالفعل عدة مرات أن تأتي (لمصر) إحدى الفرق المسرحية، لذلك سوف اُولي الأمر عناية خاصة لأرسلهم لك فهذا في غاية الأهمية للجيش وللبدء في تغيير عادات وتقاليد هذا البلد[...] إن المنصب الهام الذي ستشغله كقائد سيضع مواهبك التي أعطتك إياها الطبيعة موضع التنفيذ. إنّ الفائدة لما سيحدث هنا جلية واضحة للعيان ونتائجها ستكون هائلة على التجارة وعلى الحضارة. إنّ هذا سيكون عصراً يُؤرخ فيه لثورات عظيمة [...] "

لكن كليبر لم يستمع لنصائح وإرشادات "المعلم نابليون" ولم "يُلاطف ويُلاعب" الشيوخ الكبار فكانت نهايته علي يد "أهوج، آثم", أما عبد الله جاك مينو فيبدو أنه حاول أن يتفوق على استاذه فأعلن إسلامه وتزوج من "مُسلمة" (4) حتى لو تسبب هذا في أن يُصبح موضع سخرية الجنود الفرنسيين التي كانت تسخر من هذا القائد الذي يُصلي خلف الشيوخ، لكن مينو لم يمنعه استهزاءهم من أن يستمر "مُسلماً" حتى يخرج الفرنسيون ويعودا لبلادهم فيرجع مرة آخري "كافراً" بمنتهي البساطة. فيخبرنا مينو في بعض مُراسلاته عن لمحة "لمُعتقده الديني". فنجده في مُراسلاته -على سبيل المثال- مع الفارس بول لويس لاسكاريس الذي كان مينو يسخر من "مشاريعه" و طموحاته فلاسكاريس يبدو أنه كان من النوع "غريب الأطوار" الذي يعتقد في نفسه أنّه مع موعد مع القدر ليظهر عبقريته التي لا مثيل لها حيث يقول في رسالته لمينو يشرح له فيها مشاريعه و أفكاره في 13 يوليو 1800م: " كُل انسان في هذه الدُنيا يتبع دون أن يدري الطريق –خيراً أو شراً- الذي رسمه له القدر فالبعض يصنع الانتصارات و البعض يصنع الأحذية [...] أما أنا، أيها المواطن جنرال, فأصنع المشاريع هذا هو قدري! [...] دائما ما أضع نفسي فوق هذا العالم المادي والأخلاقي. هناك في العدم حيث أغرقتني الصُدفة مُنذ سنوات أُفكر بسهولة ويُسر, وإذا جرؤت أن تتحدي قُوتي الهائلة أي صعوبة فبسرعة تستطيع مُخيلتي أن تتغلب عليها[...]"

مع ما قد يبدو أن لاسكاريس كان يُعاني من حالة مُتأخرة من "تضخم الذات" إلا أن "مشاريعه" تم تحقيقها فيما بعد ولكن ليس "بالطريقة" التي تخيلها، ثم يواصل رسالته لمينو مع علمه أنه سيسخر منه كما يقول: " لقد انتهزت الفرصة، أيها المواطن جنرال، لأقدم لك كيفية السيطرة على مصر للأبد عن طريق الاثار السلبية لتعصب سُكانها. وقد ظللت تضحك من تلك الفكرة والتي قلت أنها كانت من الممكن أن تؤدي بصلب كريبيون(5)[...]" وكان مينو قد ارسل له رسالة ساخرة في 10 يوليو 1800م يقول له فيها: " لا اعرف أيها المواطن إذا كنت تعرف قصة كريبيون الابن الذي كان يُريد أن يُصبح زعيم ديني فتكلم مع أبوه عن ذلك فقال له و هو يُمسك بالصليب: "انظر بني لقد استطاعوا استيعاب هذا المصلوب هنا علي الصليب" بالنسبة لي لا أزعم أبداً أنني أُمجد الصليب فأنا ببساطة مُكتفي بديني العقلي الصغير وسأدع حُرية العبادة كاملة لسُكان هذا البلد فمن أراد أن يُصلي للإله وهو مطأطئ الرأس أو أن يُصلي له و هو يرفعها".

ويشرح لاسكاريس لمينو "مشاريعه" التي يُريد منه تنفيذها فهو لديه أفكار للتحكم في مياه النيل بحيث يستطيع أن يستخدمها في ري جميع أراضي مصر وأنه سيجعل "الصحرا خضرة" بل ويُفكر في انشاء مدينة باسم مينو نفسه سماها "مينوبولس" ستكون في الدلتا وسيبني حولها جداراً مُحصناً ليحميها من أي اعتداء وستكون تلك المدينة مُلتقي القارات والتجارات.  لاسكاريس هذا هو صاحب فكرة "استقلال" مصر و تكوين جيش من الأقباط "أصدقائهم" كما يقول وأن يكونوا هم "ذراع" فرنسا في مصر و مدخل لعودتهم إليها في حال إذا اضطروا للرحيل و لتُحافظ لها كما يقول علي : "تأثيرها السياسي و التجاري و تساعد فرنسا من جانب في حين هم هاجموها من جانب آخر" ويري لاسكاريس أن أفضل شيء أن يبدأ "الأقباط" من الصعيد فيساعدوا مُراد بك في طرد العثمانيين و الاستقلال بمصر و في مُقابل هذا يُترك الصعيد-باتفاق سري مع مراد بك- للأقباط ليحكموه كما فعلوا هم معه وأنه إن تركنا الأقباط و انسحابنا بدون أن نضمن هذا فسوف يكون مصيرهم الذبح و الاضطهاد كما حدث معهم في "التمرد الأخير" (ثورة القاهرة الثانية).

بعد مراسم استلام الرئاسة يبدأ مينو في 20 يونيو 1800م في حملة "لاستتباب الأمن" يتم فيها  مُصادرة الأسلحة فيذهب هو و نائبه الجنرال أوغسطين بليار للأزهر حيث: " طافوا به أيضاً وأرادوا حفر أماكن للتفتيش على السلاح ونحو ذلك " فلما رأي مجاورو الأزهر ذلك أدركوا أنّ هذه "أيام سودة" فبدأوا: " في نقل أمتعتهم منه ونقل كتبهم وإخلاء الأروقة ونقلوا الكتب الموقوفة بها الى أماكن خارجة عن الجامع" و جاءت الأوامر بعد أن كُتبت أسمائهم اسماً اسماً بألا: " يؤووا عندهم غريب ولا يؤووا إليهم آفاقياً (من خارج مصر) مُطلقاً وأخرجوا منه المجاورين من طائفة الترك" و لما شاهد الشيوخ ذلك راؤوا أنّ "المصلحة" هي في غلق الأزهر كُلياً منعاً "لوجع الدماغ" فقد يأتي "أهوج" أو "آثم" فيرتكب جريمة شنعاء و يُؤخذوا هم "في الرجلين" أو يدس "العدو" -كما يقول الجبرتي- مَنْ يبيت فيه ويأخذها حجه لينال "غرضه" من "المسلمين والفقهاء" فذهبوا عند: "  كبير الفرنسيس منو واستأذنوه في قفل الجامع وتسميره فقال بعض القبطة الحاضرين للأشياخ : "هذا لا يصح ولا يتفق" فحنق عليه الشيخ الشرقاوي وقال: " اكفونا شر دسائسكم يا قبطة" ."

ثم تستمر الحملة المحمومة لجمع أكبر قدر من المال فتُفرض "فردة" آخري قدرها: " أربعة ملايين وقدر المليون مائة وستة وثمانون ألف فرانسة وكان الناس ما صدقوا قرب تمام الفردة الأولى بعدما قاسوا من الشدائد ما لا يوصف ومات أكثرهم في الحبوس وتحت العقوبة وهرب الكثير منهم وخرجوا على وجوههم الى البلاد ثم دهوا بهذه الداهية أيضاً" حتي البيوت فرضوا عليها أموال يدفعها المالك و المستأجر , و إن كان حظك العاثر أنّ جارك لسبب أو آخر ترك بيته و أغلقه فسوف تُلزم بدفع ما عليه أيضاً و لذلك يجب أن لا تدعه يذهب و "يهرب" من الأصل.

ولما زاد فرار الناس هرباً من الدفع تم إمهالهم 32 يوما للعودة والدفع ومَنْ لم يعد: " نهبت داره وأحيط بموجوده وكان من المذنبين". لم يعد هناك ملجأ و لا مُنجي من هذا البلاء الذي حل بهم حتي الحاكم المُسلم مينو لم يعد يسمع لهم: " وامتنع من مقابلة المسلمين وكذلك عظماء الجنرالات وانحرفت طباعهم عن المسلمين زيادة عن أول واستوحشوا منهم ونزل بالرعية الذل والهوان" ولم يتوقف الذُل عند هذا بل: " وتطاولت عليهم الفرنساوية وأعوانهم وأنصارهم من نصارى البلد الأقباط والشوام والأروام بالإهانة حتى صاروا يأمرونهم بالقيام إليهم عند مرورهم ثم شددوا في ذلك حتى كان إذا مر بعض عظمائهم بالشارع ولم يقم إليه بعض الناس على أقدامه رجعت إليه الأعوان وقبضوا عليه وأصعدوه الى الحبس بالقلعة وضربوه واستمر عدة أيام في الاعتقال ثم يطلق بشفاعة بعض الأعيان." في ظل تلك الظروف لابد أن نتوقع أن تقوم ثورة لا تُبقي ولا تذر على الفرنسيين وأعوانهم وشيوخهم ومُعرِّصيهم لكن "صبر المصريين " (6) لا ينفذ فقد تزول الجبال وتنشق السماء وتفني الكواكب والمجرات ويظل المصري "يتجرع" الصبر صباح مساء لاعناً الموت والحياة لكنه أبداً لا يتحرك.

س: ما الذي يمنع هؤلاء من رؤية الحقيقة الواضحة أنّ "أيامهم سودة" وأن القادم أسود؟ج: إنه التمسك بالأمل-كبديل سهل- بأن الغد سيكون أفضل لأن البديل الأصعب هو أن يُدركوا أنه "لا أمل" طالما لم يتحركوا ويبذلوا إذا تطلب الأمر حتى الدماء لكي يصنعوه.
هذا دعي الكثيرين للتساؤل عن سر ذلك فهذا أحد الفرنسيين: شارل فرانسوا ماري، دوق هاركورت، والذي زار مصر عدة مرات، يتساءل-مُنذ أكثر من 120 عام وتحديداً في 1893م- في كتابه "مصر والمصريون" (7) عن تلك "البلادة" (8) التي "تُميز" المصريين فيسرد القصص والحكايات التي كان هو شاهد عيان على بعضها عن كيفية مُعاملة المصريين وأنه لا ينفع معهم إلا العصا والضرب على القفا وأن "حكومته" ليل نهار تنهبه وتنهب قوته بدون أن تجد منه أي مقاومة.  فمثلا يحكي أنه في عهد إسماعيل حفيد الحاج محمد تم اصدار قرار بتعديل طول القصبة-عصا من الخيزران والتي كانت تُستخدم كوحدة لقياس مساحة الأرض- من 3 متر و70 سم إلى 3 متر و55 سم وعلى أساس هذا بالطبع تم تصغير طول العصا للطول الجديد ولم يُدرك أحد حينها "الحكمة" في صدور هذا القرار وأنّ "الأمر بسيط" فكُلها 15 سم. إلا أنه بعد شهور تم إصدار أمر بعمل مسح شامل لكل "حيازات" الأراضي ومن "الطبيعي" أنه تم قياسها بالطول الجديد للقصبة. ولو بحثنا سنجد أنّ الفدان يساوي 333.3 قصبة مُربعة أي أنّ الفدان كان يساوي بمقياس القصبة القديمة: x333.3(3.7)2  =4563م2~ لكنه بمقياس القصبة الجديدة يساوي: 4200م2~ يعني الفرق بينهما 363م2 في الفدان الواحد. فكانت "الحكومة" تنزل الأرض وبعد أن يتم حساب مساحة الأرض وطبقاً للحيازة و"رتبة" الشخص فلنفترض أن له "الحق" في حيازة 12 فدان وبحساب بسيط سنجد أنه طبقاً للقياس الجديد فهذا الشخص يحوز 13 فدان وليس 12 -يعني حرامي ابن حرامي- لكن من" طيبة الحكومة وعدلها" كانت تُخير الشخص ما بين أن يتم مُصادرة الفدان "الزائد" –الذي لا يُعرف أين موقعه هل هو في منتصف الأرض أو على أطرافها حسب الظروف أنت وحظك-أو أن يشتريه منها. هذا كان يحدث مع الموسرين أصحاب "الطين" فما بالك ما كان يحدث مع "الطين" نفسه الذي كان الضرب بالعصي والكرباج لنهبه عمل "عادي" وكانت "بطولة" هذا الطين و "رجولته" هي أنّ يتحمل الضرب وسحق الكرامة لأقصي ما يستطيع دون أن يدفع. ويُدهش شارل فرانسوا-ونحن معه- أنّ مثل تلك الإجراءات تتم بهدوء ودون اعتراض من أي أحد أو على الأقل من أولئك الذين وقعوا ضحية لها ويقول: "[...] هكذا كان الأمر دائماً بالنسبة للمصريين، ففكرة المقاومة والمواجهة تبدو مُتعارضة مع طبيعتهم، إنهم لا يُدافعون عن أنفسهم إلا بالكلمات والمُدارة والخداع لكنهم ابداً لا يستخدمون القوة للدفاع عنها." لعل هذا يكون جواباً مؤقتاً عن السؤال الذي رأيناه المرة السابقة عن لماذا لا يثور المصريين.

 ستكون لنا عودة-إن شاء الله- لهذا الكتاب فهو على ما فيه من "مُلاحظات" جيدة عن طبيعة المصريين مازلنا نراها ماثلة أمامنا، إلا أنه مع ذلك يُهاجم "نُسخة الإسلام" في هذا الوقت واعتباره سبب في حالة التخلف التي تعيشها المنطقة وقتها مع "كليشيهات" وضع المرأة في الإسلام وتعدد الزوجات إلى آخر "الأسطوانة" التي مازلنا نسمعها إلى الآن. لكنك لا تملك إلا أن تتفق معه في بعض ما ذهب إليه لأنه كما رأينا في رواية الجبرتي التي بين أيدينا قد تحول الدين إلي مُجرد "تعريص" مُستمر لصالح من يحكم أياً كان حتى لو كان كافراً أباً عن جداً، نسخة الإسلام تلك التي نري اليوم آخر تطوراتها من سلفية هي أقرب للوثنية حيث عبادة الحاكم والشيخ تستتر خلف آيات وأحاديث ومن إسلام "مُتحرر" من كُل ما هو إسلامي تحت ذريعة تنقيح "التُراث" وتجديد الخطاب الديني.

حينما تكون ضعيفاً مُتخلفاً لن تجد أحد يمدحك بالتأكيد بل سيظل الجميع يسخر منك ومما تؤمن به مهما كان راقياً أو عادلاً أو حقاً. كُل فلسفة أو نظام أو دين "على الورق" في عالم المثل تظل ساحرة ورائعة ما لم تنزل إلى الواقع وتُطبق وتُحدث فيه التغيير الذي تدّعيه -حيث يكون الاختبار الحقيقي- فإما يكتشف الناس زيفها وتهافتها أو يروا ثمرتها وصلابتها. لكي يعود الإسلام كقوة عالمية تقود الإنسانية يجب أولاً أن يكون للإسلام "دولة" ولكي تكون له دولة يحب أن يمتلك أسباب القوة المادية التي بها يُنشئ ويبني ويحافظ على تلك الدولة.

ستستمر الشهور القادمة في عمر الحملة الفرنسية على نفس المنوال حتى يُصيبك الملل والزهق: " وفيه اشتد أمر المطالبة بالمال وعين لذلك رجل نصراني قبطي يسمى شكر الله فنزل بالناس منه ما لا يوصف فكان يدخل الى دار أي شخص كان لطلب المال وصحبته العسكر من الفرنساوية والفعلة وبأيديهم القزم فيأمرهم بهدم الدار إن لم يدفعوا له المقرر وقت تاريخه من غير تأخير الى غير ذلك وخصوصاً ما فعله ببولاق فإنه كان يحبس الرجال مع النساء ويدخن عليهم بالقطن والمشاق وينوع عليهم العذاب." المفروض كانوا يسموه "لعنة الله" وليس "شُكر الله".

ثم حملات النهب و الهدم و كل ما يمكن أن يأتي منه مال: " والأمور من أنواع ذلك تتضاعف والظلومات تتكاثف [...] فكانوا إذا دهموا داراً وركبوها للهدم لا يمكنون أهلها من نقل متاعهم ولا أخذ شيء من أنقاض دارهم فينهبونها ويهدمونها وينقلون الأنقاض النافعة من الأخشاب والبلاط الى حيث عمارتهم وأبنيتهم وما بقي يبيعون منه ما أحبوا بأبخس الأثمان ولوقود النيران وما بقي من كسارات الخشب يحزمه الفعلة حزماً ويبيعونه على الناس بأغلى الأثمان لعدم حطب الوقود ويباشر غالب هذه الأفاعيل النصارى البلدية فهدم للناس من الأملاك والعقار ما لا يقدر قدره" ليس هذا و فقط بل حتي من هُدمت داره كان عليه دفع ما علي البيت المهدوم من "الفردة" فيجتمع: " على الشخص الواحد النهب والهدم والمطالبة في آن واحد وبعد أن يدفع ما على داره أو عقاره وما صدق أنه غلق ما عليه إلا وقد دهموه بالهدم فيستغيث فلا يغاث فترى الناس سكارى وحيارى" لا والأدهى و الأمرّ و الدرجة التي وصل إليها الأمر  أنه يجب عليك دفع "المنكسر" الذي علي فردة البيت المهدوم نتيجة التأخير في دفعها بالإضافة "لحق الطريق" للأشخاص الموكلون بالتحصيل: " [...] وذلك أنهم لما قسموا الأخطاط (النواحي) كما تقدم وتولى ذلك أمير الخطة وشيخ الحارة والكتبة والأعوان وزعوا ذلك برأيهم ومقتضي أغراضهم فأول ما يجتمعون بديوانهم يشرع الكتبة في كتابة التنابيه وهي أوراق صغار باسم الشخص والقدر المقرر عليه وعلى عقاره بحسب اجتهادهم ورأيهم وعلى هامشها كراء طريق المعينين ويعطون لكل واحد من أولئك القواسة عدة من تلك الأوراق فقبل أن يفتح الإنسان عينيه ما يشعر إلا والمعين واقف بابه وبيده ذلك التنبيه فيوعدوه حتى ينظر في حاله فلا يجد بداً من دفع حق الطريق فما هو إلا أن يفارقه حتى يأتيه المعين الثاني بتنبيه آخر فيفعل معه كالأول وهكذا على عدد الساعات فإن لم يوجد المطلوب وقف ذلك القواس على داره ورفع صوته وشتم حريمه أو خادمه فيسعى الشخص جهده حتى يغلق ما تقرر عليه بشفاعة ذي وجاهة أو نصراني [...]"

وحينما تجد الناس بدأت في "الهمهمة" ادعو لانتخابات رئاسية أو برلمانية أو شكل حكومة جديدة إذا كان مُمكناً "مش مهم" المهم هو أن يظل "بصيص" الأمل موجود. لذلك بدأوا في تشكيل ديوان جديد –ليس له أي لازمة كسابقيه- لكن هذه المرة من تسعة من الشيوخ فقط و ليس به نصاري أو عسكريين ولا غيره التسعة هم نفس الأشكال "المُعرِصة": "  الشيخ الشرقاوي، رئيس الديوان، والمهدى، كاتب  السر والشيخ  الأمير، والشيخ  الصاوي وكاتبه، والشيخ موسى السرسى، والشيخ  خليل  البكري ،  والسيد على الرشيدي نسيب (أخو زوجة مينو)  ساري  عسكر،  والشيخ  الفيومي،  والقاضي  الشيخ  اسماعيل  الزرقاني" هذا بالإضافة للكتبة و المترجمين و هم: "  كاتب سلسلة  التاريخ السيد اسماعيل  الخشاب، والشيخ على  كاتب  عربي، وقاسم  افندي كاتب رومي، وترجمان  كبير , القس  رفائيل،  وترجمان صغير، الياس  فخر  الشامي،  والوكيل  الكمثارى (9)  فوريه (10) ، ويقال  له  مدبر  سياسة  الاحكام  الشرعية، ومقدم  وخمسة قواسة (لزوم الأمن و الحراسة)  " 
فلما وصل الخبر للناس بأمر الديوان الجديد وأنه من كان له مظلمة فلابد أنه سيجد "صدر حنون" يبكي عليه ويد عطوفة تمسح دموعه لكن لا يطمع في أكثر من هذا: " سُرّ الناس بذلك لظنهم أنه انفتح لهم باب الفرج بهذا الديوان ولما كانت الجلسة الثانية ازدحم الديوان بكثرة الناس وأتوا إليه من كل فج يشكون." إنّ الأمل من أكثر أعداء الإنسان خداعاً فهو يُعميه على أن يري الحقيقة الواضحة الجلية فيظل مُتمسك بخيوطه الواهية-التي ستودي به في النهاية- على أن ينظر للحقيقة وجهاً لوجه ويعمل على ما تُمليه عليه أيا كانت.
ثم يبعث مينو في 2 يناير 1801م برسالة لشيوخ الديوان التي يقول فيها بعد البسملة و الشهادة و الديباجة المعتادة بأنه يُريد تنظيم البلد: " [...] فجناب حضرة بونابارته الشهير النبيل ، الصنديد الشجاع الجليل ، قد تقدم فأمر بأن يُحرر دفتر يُكتب فيه اسماء كامل الميتين والان حضرتكم قد طلبتم مني دفترا آخر خلافه فيه يتحرر أسماء المولودين أيضا [...] وهكذا أيضا بتحرير دفتر الزواج ، إذ كان ذلك اشد الهمات ، والحوادث الواجبات ، ثم يتبع ذلك بتجديد نظام غير قابل التغيير في ضبط الأملاك ، والتمييز الكامل عمن ولد ومات من السُكان ، وهذا يُعرف من اهالي كل بيت ، فعلي هذا الحال يتيسر للحاكم الشرعي بالعدل والانصاف ، وينقطع الخلف والخصام بين الورثة وتقرر الولادة ، ومعرفة السلالة التي هي الشيء الأجل والأوفر استحقاقا في الإرث [...] كل وقت يقتضى لنا أن ندبر أشياء تستفيد بها هذه المملكة التي قد تسلمنا سياستها[...] " و لا ينسي أن يشكر شيوخه علي أنهم هنئوه بولادة ابنه: "[...] فيا حضرة المشايخ والعلماء الكرام ، إننا نشكر فضلكم علي ما اظهرتم لنا تهنئة بولادة ولدي السيد سليمان مراد جاك منو".
وفي 20 يناير 1801م وصل مكتوب من فرنسا بوقوع الصلح بينها و بين الجزائر و كانت فرنسا مدينه بمبالغ ضخمة لما كان يُعرف وقتها ب"إيالة الجزائر" -كانت اسما تابعة للدولة العثمانية- في البداية كانت فرنسا في عهد لويس السادس عشر تأخذ القمح منها و تدفع لها أثمانها مُباشرة ثم غيرت فرنسا طريقة الدفع فكانت هي تتعامل مُباشرة مع تاجريين يهوديين و هما بكري و بوشناق –اللذان كانا يحتكران تجارة القمح بالجزائر- علي أن يُسدد بكري و بوشناق الأموال لحكومة الجزائر وكما رأينا سابقاً في تلك الفترة الأوضاع الاقتصادية في فرنسا كانت مُتردية و كانت هناك أزمة في "رغيف العيش" فكانت تتعثر في الدفع لليهوديين و هما بالتالي لا يدفعوا ما عليهم للجزائر حتي ثقل هذا الدين و نشأت خلافات بين الجانبين و التي ستستمر حتي يُهزم نابليون و يتم استعادة الملكية فيبدأ لويس التاسع عشر في دفع أجزاء منه وتُنشئ "لجان" للجدولة مروراً بالمُماطلة في الدفع حتي تجد فرنسا أنه من الأجدى أن "تمتلك" هي الأرض بما عليها فهذا "أرخص" من أن تظل تدفع و تستدين فيبدأ التفكير و التحضير لاحتلال الجزائر كما سنري فيما بعد.
في 8 فبراير 1801م: " ضُربت مدافع كثيرة بسبب ورود مركبين عظيمين من فرنسا فيهما عساكر وآلات حرب وأخبار بأن بونابارته أغار على بلاد النمسه وحاربهم وحاصرهم وضايقهم وأنهم نزلوا على حكمه وبقي الأمر بينهم وبينه على شروط الصلح وأنه استغنى عن هذه الأشياء المرسلة وسيأتي في أثرهم مركبان آخران فيهما أخبار تمام الصلح ويستدل بذلك على أن مملكة مصر صارت في حكم الفرنسيس لا يشركهم غيرهم فيها هكذا قالوا وقراؤوه في ورقة بالديوان."  حيث بعد أنْ حقق نابليون عدة انتصارات يعقد في فبراير "مُعاهدة لونافيل" مع النمسا لتكون إعلاناً لنهاية "التحالف الثاني" الذي شُكل للقضاء على الثورة. لكن سُرعان مع يبدأ الأمر من جديد فإنجلترا بعد أن تعقد هي الأُخري في مايو 1802 "مُعاهدة أميان" مع نابليون التي لن تستمر إلا عدة شهور لتُعلن إنجلترا الحرب على فرنسا ثانية ويبدأ تشكيل "التحالف الثالث".
في 15 فبراير بدا الطاعون يظهر من جديد: " فانزعج الفرنساوية من ذلك وجردوا مجالسهم من الفرش وكنسوها وغسلوها وشرعوا في عمل كرنتينات (حجر صحي) ومحافظات." ثم "رسالة" جديدة من مينو يُحذر فيها " الأشقياء والمفسدين " من نشر: " [...] أخباراً رديئة تزويراً لتخويفكم وتخويف المملكة وكل ذلك كذب وافتراء فإنما نحن نخبركم جميعاً أن كلاً من الأهالي المذكورة من أي طائفة وملة كان الذي يثبت عليه بالإشهاد أو النشر من نفسه بينكم تلك الأخبار الرديئة المكذوبة تخويفاً لكم وإضلالاً بالناس ففي الحال ذلك الرجل يمسك وترمى رقبته بوسط واحدة طرق مصر." ويذكر الجبرتي أنّ الناس كانت في "عالم تاني" ولا همّ ولا تفكير لهم إلا: "[...] في بواقي الفردة وما لزمهم في المليون ولا شغل لكل فرد إلا بتحصيل ما فرض عليه[...] " وأن تلك الرسالة من الممكن أن تكون بسبب "مُراسلات" كانت بين: " سيدي محمود وأخيه سيدي محمد المعروف بأبي دفية [...]وبين علي باشا الطرابلسي" علي باشا الطرابلسي هذا كان موجود عند دخول الفرنسيين القاهرة ثم هرب من بين من هربوا إلى الشام لكنه سيعود ثانية بعد خروج الفرنسيين كوالي لمصر. من بين تلك المُراسلات كانت هناك أوراق مكتوبة بالفرنسية كان:" فيها الأمر بتوزيعها ووضعها في أماكن معينة حيث سكن الفرنساوية فوزع اثنين وقصد وضع الثالثة في موضع جمعيتهم فلم يمكنه ذلك إلا ليلاً فأعطاها خادمه وأمره أن يشكها بمسمار في حائط ذلك المكان وهو بالقرب من الحمام المعروف بحمام الكلاب ففعل وتلكأ في الذهاب فاطلع عليه بعض الفرنسيس من أعلى الدار فنزل إليه وأخذ الورقة وقبضوا على ذلك الخادم".

وأخيراً يأتي الفصل الختامي للحملة الفرنسية ففي شهر مارس تبدأ الأخبار تتواتر بوصول مراكب "الإنكليز" لأبي قير ولما سُئل المفوض فورييه في الديوان عن هذا جاوب بثقة عن أنّ: " [...] الفرنساوية كانت تحارب القرانات (التحالف) والآن وقع صلح بينهم وبين القرانات ما عدا الانكليز فإنه الآن مضيق عليه وربما كان ذلك سبباً لرضاه بالدخول في الصلح" و سيأتينا سلاح و ذخيرة وهكذا: " [...] تعين خُلوص مصر الى جمهور الفرنساوية وفي سالف الزمان كانت جميع القرانات التي بالجهة الشمالية ضداً للفرنساوية وقد زالت الآن هذه الضدية ومتى انقضى أمر الحرب عمت الرحمة والرأفة والنظر بالملاطفة للرعية والذي أوجب الاغتصاب والعسف إنما هو الحرب ولو دامت المسالمة لما وقع شيء من هذا فقال بعض أهل الديوان: " سنة الملوك العفو والصفح وما مضى لإبعاد فارحموا واعفوا عما سلف" فقال الوكيل: "قد وقع الامتحان ولم يبق إلا السلم والمسامحة"." وسيستمر مينو و قادته في حالة "الإنكار" هذه و أن الأمر "بسيط" وإن تجرأ أحد ووضع "رجله في مصر" فهو سوف يقطعها  فيقول مينو في رسالته للديوان: " من عبد الله جاك منو سر عسكر أمين عام جيوش دولة جمهور الفرنساوية بالشرق ومظاهر حكومتها ببر مصر حالاً الى جميع الكبير والصغير الأغنياء والفقراء المشايخ والعلماء وجميعهم الذين يتبعون الدين الحق والحاصل لجميع أهالي بر مصر سلمهم الله بمقام السر عسكر الكبير بمصر [...] أن الله هو هادي الجنود ويعطي النصرة لمن يشاء والسيف الصقيل في يد ملاكه يسابق دائماً الفرنساوية ويضمحل أعداؤهم أن الانكليزية الذين يظلمون كل جنس للشر في كل المواضع فهم ظهروا في السواحل وإن كان يتجرأوا يضعوا أرجلهم في البر فيرتدوا في الحال على أعقابهم في البحر والعثمانيين متحركين كهؤلاء الانكليزية يعملون أيضاً بعض حركات فإن كان يقدموا ففي الحال يرتدوا وينقلعوا في غبار وعفار البادية[...]" لذلك عليكم يا أهالي "مملكة ومحروسة مصر" أن "تبقوا مستريحين في بيوتكم ومقيمين كما كنتم في أشغالكم وأغراضكم فحينئذ لا خوف عليكم" ولكن إن لعب الشيطان بعقولكم و حدثكم عن الثورة فأقسم بالله: " العظيم وبرسوله الكريم أن رأس ذلك المُفسد تُرمى تلك الساعة" ولا تنسوا ما حدث لكم بالأمس القريب حين "عملتم فيها رجالة" فتم مُحاصرتكم وأُريقت: "دماء آبائكم ونسائكم وأولادكم في كل مملكة مصر وخصوصاً محروسة مصر وخواصكم انتهَبوا تحت الغارات وطرحوا عليكم فردة قوية غير المعتاد" فيا "شعبي الحبيب المهاود" : "أدخلوا في عقولكم وأذهانكم كل ما قُلت لكم الآن والسلام على كل من هو في طريق الخير, فالويل ثم الويل على كل من يبعد من طريق الخير ممضي خالص الفؤاد عبد الله جاك منو."

وفي حين أن مينو يمتلك "الحكمة السياسية" إلا إنّ قُدراته العسكرية محدودة فيُشير عليه الجنرال جان لويس رينيه بضرورة تحصين الإسكندرية (11) لمواجهة الإنزال الإنجليزي فيروي الجبرتي أنّ: "  ساري عسكر رينه كاشف القليوبية والشرقية أخبره بعض عربان المويلح بأنهم شاهدوا مراكب انكليزية ترددت بالقلزم فأرسل بخبر ذلك الى ساري عسكر منو ويقول له في ضمن ذلك ويشير عليه بأن يتوجه صحبة جانب من العسكر ويحصن نواحي الاسكندرية خوفاً من ورود الانكليز تلك الناحية وأن رينه يتكفل له بمن يرد الى ناحية الشرق وأكد عليه في ذلك" لكن مينو لا ينزل علي رأي رينيه و يخبره أنّ الإنجليز لن تأتي عن طريق الإسكندرية بل عن طريق ساحل الشام. ثم تتردد المُراسلات بين الاثنين فمينو يستعجله للذهاب جهة الشام ورينيه يُماطل لعلمه أن الإنجليز لن يأتوا إلا عن طريق الإسكندرية وفي النهاية يعلم مينو -بعد أن ضيع الوقت- بوصول الإنجليز إلي أبي قير فيبعث برسالة لرينيه يخبره بوصولهم لأبي قير: " وطلعوا الى البر وتحاربوا مع أمير الاسكندرية ومن معه من الفرنساوية وظهروا عليهم ويستعجله في الرجوع والذهاب الى الاسكندرية فقال رينه هذا ما كنت أخمنه وأظنه وارتحل راجعاً وعدى على بر انبابة بعساكره وتقدم ساري عسكر منو وسبقه الى الاسكندرية."

في 24 مارس 1801م وصلت الأخبار بتقدم العثمانيين حتي وصلوا العريش فيجتمع فورييه بالديوان و يُخبر الشيوخ: " أن ساري عسكر قبل ذهابه رسم لهم رسوماً وأمرهم بإجرائها والمشي عليها في أوقاتها وأنه عند سفره قصد أن يعوق المشايخ وأعيان الناس ويتركهم في الترسيم رهينة عن المسلمين فلما ظهر له وتحقق أن الذين وردوا الى أبي قير ليسوا من المسلمين وإنما هم انكليزية ونابلطية (من ايطاليا) وأعداء للفرنساوية وللمسلمين أيضاً وليسوا من ملتهم حتى يتعصبوا من أجلهم والآن بلغنا أن يوسف باشا الوزير وعساكر العثمانية تحركوا الى هذا الطرف فلزم الأمر لتعويق بعض الأعيان وذلك من قوانين الحروب عندنا بل وعندكم ولا يكون عندكم تكدر ولا هم بسبب ذلك فليس إلا الإعزاز والإكرام أينما كنتم [...] ثم انتهى الكلام وانقضى المجلس على تعويق أربعة أشخاص من المشايخ وهم الشيخ الشرقاوي والشيخ المهدي والشيخ الصاوي والشيخ الفيومي فأصعدوهم الى القلعة في الساعة الرابعة من الليل مكرمين وأجلسوهم بجامع سارية ونقلوا الى مكانهم الشيخ السادات فاستمر معهم بالمسجد وأمروا الأربعة الباقية من أعضاء الديوان وهم البكري والأمير السرسي وكاتبه أن يكون نظرهم على البلد ويجتمعون بشيخ البلد ولا ينقطعون عنه وأن المشايخ المحجوزين لا خوف عليهم ولا ضرروهم معززون مكرمون وأطلقوا لكل شيخ منهم خادماً يطلع إليه وينزل ليقضي له أشغاله وما يحتاج إليه من منزله والذي يريد من أحبابهم وأصحابهم زيارتهم يأخذ له ورقة بالإذن."

ثم في 3 ابريل 1801م وردت الأخبار بهزيمة الفرنسيين وقد كان الفرنسيون هُزموا في "موقعة الإسكندرية" في 21 مارس علي يد الإنجليز بقيادة الجنرال جون هلي هتشنسن, فيتهم مينو الجنرال رينيه والجنرال فرانسوا إتيان داماس أنهما:  " سبباً لهزيمته فيما يظن ويعتقد فقبض عليهما وعزلهما من إمارتهما " ويذكر الجبرتي سبب الخلاف بين الجنرالات أنّهم: " [...] اجتمعوا للمشورة على عادتهم ودبروا بينهم أمر المحاربة فرأى ساري عسكر منو رأيه فلم يعجب رينه ذلك الرأي وإن فعلنا ذلك وقعت الغلبة علينا وإنما الرأي عندي كذا وكذا ووافقه على ذلك داماص وكثير من عقلائهم فلم يرض بذلك منو وقال أنا ساري عسكر وقد رأيت رأيي فلم يسعهم مخالفته وفعلوا ما أمر به فوقعت عليهم الهزيمة وقتل منهم في تلك الليلة خمسة عشر ألفاً وتنحى رينه وداماص ناحية ولم يدخلا في الحرب بعسكرهما فاغتاظ منه ونسبهما للخيانة والمخامرة عليه وتسفيههم لرأيه وأكد ذلك عنده أنهما لما حضرا الى الاسكندرية أخذا معهما أثقالهما وما كان لهما بمصر لعلمهما عاقبة الأمر وسوء رأي كبيرهما فاشتد إنكاره عليهما وعزل عنهما العسكر وحبسهما ثم أطلقهما ونزلا الى المراكب مع عدة من أكابرهم وسافر الى بلادهما وكان منو أرسل الى بونابارته يخبر عن ورود الانكليز ويستنجده فأرسل إليه عسكراً فصادفوا الجماعة المذكورين في الطريق فأخبروهم عن الواقع وردوهم من أثناء الطريق [...]"

في نفس يوم وصول تلك الأخبار يرد خبر وصول حسين باشا القبطان إلي أبي قير ليُساند القوات الإنجليزية ويأتي معه قائد مغمور يُدعي "محمد علي" مُنشئ اسطورتنا وباني المخروبة المُسماة مصر. وبهذا تتأكد أخبار هزيمة الفرنسيين: " وظهرت لوائح ذلك الفرنسيس مع شدة تجلدهم وكتمان أمرهم وتنميق كلامهم." لكن سيستمر الفرنسيون في التظاهر أن الإنجليز هُزموا شر هزيمة فيخبر فورييه الديوان أنّه: " قد مات جماعة من كبراء الانكليز وأن أكثر عساكرهم مريضون بمرض الزحير(الدوسنتاريا) والرمد وربما يحصل الصلح عن قريب ويرجعون الى بلادهم وأن العطش مضارهم وبعثوا عدة مراكب لتأتيهم بالماء فتعذر عليهم ذلك" ويبعث مينو برسالة من الأسكندرية "المُحاصرة" يقول لشيوخه أن كُل شيء تمام  "وما النصرة إلا من الله وبشفاعة رسوله الكريم عليه السلام الدائم" ,وأنّ العثمانيين تلقوا الأوامر من السُلطان سليم بالخروج من مصر وإلا فروسيا ستُحاربهم: " بمعية مائة ألف عسكرية ضد العثمانية وضد قسطنطينية فبناء على ذلك أرسل السلطان سليم أوامره بفرمانه خطابه الى عساكره لتخلية بر مصر ولكامل من بالبر المذكور" لكن الإنجليز نجحوا في خداع و رشوة بعض العساكر العثمانيين وعليكم أن تقولوا للناس تلك "الحقائق" و: " أعلنوا وأخبروا كل ذلك الى أهالي مصر فانتظموا كما كنتم دائماً بالخير واعتمدوا واعتنوا بحماية وصيانة دولة الجمهور الفرنساوية والله تعالى يديم فضائلكم عن الإلهام بالخير والسلامات [...]"

ولا تأتي المصائب فُرادي فرجل فرنسا في الصعيد مراد بك يُصيبه الطاعون و يموت في 26 ابريل 1801م والفرنسيون مستمرون في نسج القصص عن هزيمة الإنجليز وأنه: " قد هلك من الانكليز خلق كثير وباقيهم أكثرهم مرمودون الأعين وبمرض الزحير وجاءت طائفة منهم الى الفرنساوية وانضموا إليهم من جوعهم وعطشهم" و أنّ تقدم الإنجليز ليس إلا خُدعة لكي نسحق ما تبقي منهم: " ولتعلموا أن الفرنساوية لم يُسلموا في رشيد قهراً عنهم بل تركوها قصداً وكذلك أخلينا دمياط لأجل أن يطمعوا ويدخلوا الى البلاد وتتفرق عساكرهم فنتمكن عند ذلك من استئصالهم" وأنكم تعلمون أن الفرنسيين "مابيكذبوش أبداً" فلابد أن تُصدقوهم حتي لو رأيتم بأعينكم غير ما يقولون ولتعلموا أنّ: " الفرنساوية لا يتركون الديار المصرية ولا يخرجون منها أبداً لأنها صارت بلادهم وداخلة في حكمهم وعلى الفرض والتقدير إذا غلبوا على مصر فإنهم يخرجون منها الى الصعيد ثم يرجعون إليها ثانياً ولا يخطر في بالكم قلة عساكرهم فإنهم على قلب رجل واحد وإذا اجتمعوا كانوا كثيراً".

مع تقدم الإنجليز تصاحبهم القوات العثمانية شمالاً وصولا للرحمانية (جنوب مدينة رشيد) يتقدم العثمانيين بقيادة الصدر الأعظم من جهة الشرق فيصلوا لمدينة بلبيس في 8 مايو 1801م ويستمر تقدمهم حتي وصلوا إلي: "  القليوبية والمنير والخانكة لأخذ الكلف، فتأهب قائمقام بليار للقائهم وأمر العساكر بالخروج من أول الليل، ثم خرج هو في آخر الليل، فلما كان يوم الأحد رابعه رجع قائمقام ومن معه ووقع بينه وبينهم مناوشة، فلم يثبت الفرنسيس لقلتهم ورجعوا مهزومين وكتموا أمرهم ولم يذكروا شيئاً."

ثم يجتمع الشيوخ بالديوان كالعادة و يخبرونهم: " [...] أن أرض مصر استقر ملكها للفرنساوية فلازم من اعتقادكم ذلك وأركزوه في أذهانكم كما تعتقدون وحدانية الله تعالى" ولا تعتقدوا أن هناك أحد قد يُغير هذا فهؤلاء الإنجليز ليسوا إلا: " ناس خوارج حرامية وصناعتهم إلقاء العداوة والفتن والعثملي مغتر بهم، فإن الفرنساوية كانت من الأحباب الخلص للعثملي فلم يزالوا حتى أوقعوا بينه وبينهم العداوة والشرور، وأن بلادهم ضيقة وجزيرتهم صغيرة" ولولا ذلك لكنا محونا أي ذكر لهم في الأرض و نحن قد "ملكنا" مصر في 18 يوم فقط أما هم: " فإن لهم ثلاثة أشهر من حين طلوعهم الى البر والى الآن لم يصلوا إلينا [...] فلو كان فيهم همة أو شجاعة لوصلوا مثل وصولنا [...]" الحقيقة لو كانوا يخاطبون بهائم لكانت ضحكت من أقوالهم لكن لابد أنهم "حمدوا الله" أنهم يخاطبون المصريين.
إنّ انتشار تلك الكائنات بيننا لمؤشر واضح علي أصل المصريين "الفضائي".

ونتيجة للحرب الدائرة تلك يقول الجبرتي أنّ الأوضاع المعيشية و الاقتصادية ازدادت سوءً : " فعند ذلك عزت الأقوات, وشحت زيادة على قلتها, وخصوصاً السمن والجبن والأشياء المجلوبة من الريف [...] وشح اللحم أيضاً وغلا سعره لقلة المواشي والأغنام [...] وأما الزيت فلا يوجد البتة وغلت الأبزار(التوابل وما شابهها) جداً" وينقل قصة "غريبة" حدثت له هو "شخصيا" ليُرينا "حجم المُعاناة": "[...] احتجت الى بعض أنيسون فأرسلت خادمي الى الأبزارية على العادة يشتري لي منه بدرهم فلم يجده وقيل له إنه لا يوجد إلا عند فلان هو يبيع الأوقية بثلاثة عشر نصفاً، ثم أتاني منه بأوقيتين بعد جهد في تحصيله فحسبت على ذلك سعر الأردب فوجدته يبلغ خمسمائة ريال أو قريباً من ذلك[...] " وهذا يُذكرني "بمدام عفاف شعيب" بعد 25 يناير كانت "مش عارفة تجيب بيتزا" لأبن أخيها –علي ما أتذكر- بسبب "الثورة". إنّ هذا ما يُسمي "عزّة وإباء المصريين" فرغم المحن والمآسي والثورات إلا أن هناك أشياء "لا يُفرطون فيها أبدا" فهم قد يتنازلون عن دينهم وكرامتهم وأرزاقهم بل وحتى عن أعراضهم لكن أبداً لا يتنازلون عن "الينسون والبيتزا".

في مصر "العبث" ليس مُجرد "اسم" بل هو "فعل" مُستمر.

علي نفس المنوال الفرنسيين "مُصممين" علي أنهم سيسحقون الإنجليز و العثمانيين, و الإثنين مستمرون في التقدم شرقاً و غرباً حتي يأتي يوم 29 يونيو 1801م فيسمع الناس: " [...] صوت مدفع بعد الغروب عند قلعة جامع الظاهر خارج الحسينية ثم سمع منها أذان العشاء والفجر، فلما أضاء النهار نظر الناس فإذا البيرق(العلم) العثماني بأعلاها والمسلمون على أسوارها، فعلموا بتسليمها، وكان ذلك المدفع إشارة الى ذلك ففرح الناس وتحققوا أمر المُسالمة، وأشيع الإفراج عن الرهائن من المشايخ وغيرهم وباقي المحبوسين في الصباح وأكثر الفرنساوية من النقل والبيع في أمتعتهم وخيولهم ونحاسهم وجواريهم وعبيدهم وقضاء أشغالهم."  لقد تم عقد "الصُلح" مع الفرنسيين حيث تُلصق أوراق باللغتين العربية والفرنسية لشرطين من شروط هذا الصُلح ,التي تُطمئن الناس أنه لن يُضار أحد من "الخونة" تبدأ بنسب الصُلح "لإرادة الله" ثم يتم ذكر الشرطين وهما:
 " الشرط الثاني عشر: كل واحد من أهالي مصر المحروسة من كل ملة كانت الذي يريد أن يسافر مع الفرنساوية يكون مطلق الإرادة، وبعد سفره كامل ما يبقى عياله ومصالحه ما أحد يعارضهم.
 الشرط الثالث عشر: لا أحد من أهالي مصر المحروسة من كل ملة كانت يكون قلقاً من قبل نفسه ولا من قبل متاعه. جميع الذين كانوا بخدمة الجمهور الفرنساوي بمدة إقامة الجمهور بمصر".

في 3 يوليو 1801م يتم عقد الديوان ويُخبر فورييه الشيوخ ببقية الشروط أهمها أن على الفرنسيين الرحيل إلي رشيد في مدة أقصاها خمسين يوماً وأنْ: " [...] يُساق الجيش من طريق مختصر وسر عسكر الانكليز والمساعد يلزم أن يقوما لهم بجميع ما يحتاجونه من نفقة ومؤونة وجمال ومراكب [...] ولابد من كون المؤونة التي تترتب لهم كالمؤونة التي كانوا يعطونها هم لجيش الانكليز ورؤسائهم، وعلى رؤساء عساكر الانكليز وحضرة العثملي القيام بنفقة الجميع. والحكام المتقيدون بذلك يحضرون لهم المراكب ليسفروهم الى فرانسا من جهة البحر المحيط. [...] وأن الفرنساوية لا يدخلون مينة إلا مينة فرانسا والأمناء والوكلاء يقدمون لهم ما يحتاجون إليه نظراً لكفاية عساكرهم[...] وكل من أهل الإقليم المصري إذا أراد التوجه معهم فهو مطلق السراح مع الأمن على متاعه وعياله، وكذلك من داخل الفرنساوية من أي ملة كانت فلا معارضة له إلا أن يجري على أحواله السابقة[...]".

ثم "العشاء الأخير" للديوان و شيوخه و فرنسيّه ويبدو أنها كانت "حصة قراءة"  فتُقرأ رسالة من مينو يظهر أنها كتبها قبل أن تضع "الحرب أوزارها" ثم يقرأ استوف مدير الحدود هو الآخر  رسالة يتكلم فيها عن المحبة و " العيش و الملح" الذي اكله الفرنسيون و المصريون مع بعض و أنهم كانوا كأنهم "رعية واحدة" وأن نابليون "الشجاع الأعظم المُعان بقوة الله الذي عقله ما له مثيل" وأنه كان يستحق "أن يكون حاكماً عليكم" لكن "انتو ناس رمم مالكمش في الطيب نصيب" فلا تعتقدوا أننا سنذهب بلا عودة بل ما هي إلا "هُنيهة" و نعود لكم لكي تعود "ليالينا الحمراء" معكم و نُطفئ أشواق "لوعتنا" في أحضانكم "الدافئة".

ويخرج الشيوخ من عند السيد القديم لمقابلة السيد الأقدم الوزير يوسف باشا لتقديم فروض الولاء والطاعة: "سلموا على ابراهيم بك وتوجه معهم الى الوزير، فلما وصلوا الى الصيوان أمروهم برفع الطيلسانات (أوشحة) التي على أكتافهم وتقدموا للسلام عليه، فلم يقم لقدومهم فجلسوا ساعة لطيفة وخرجوا من عنده." من "الدروس" المُستخلصة من كُتب التاريخ أن الشيوخ (12) هم "كلاب أي سُلطة" فالسلطة لها "كلابها البوليسية" التي تُدافع وتُحامي عنها بالأنياب والمخالب وهناك أيضاً "الكلاب البلدية" التي تَستخدم الآيات والأحاديث هجوماً ودفاعاً عنها، لكن هذا لا يمنع أنه يوجد شيوخ مُخلصون لا "يأكلون" بآيات الله ولا "يلحسون" تراب أقدام الحاكم ولا يُعرّصون من أجل دراهم معدودات ولا يحرفون الكلام عن مواضعه خوفا من أن تفضحه "الجهات الأمنية" لكنهم يبقون استثناءً نادراً لا يُقاس عليه.

أمّا بالنسبة "للخونة" النصاري فيُرسل إبراهيم بك: "أماناً لأكابر القبط فخرجوا أيضاً وسلموا ورجعوا الى دورهم." أما "يعقوب وجنوده" فقد قرروا المُغادرة مع الفرنسيين لكن اجتمع عائلات "الجنود" ونسائهم: " الى قائمقام وبكوا وولولوا وترجوه في إبقائهم عند عيالهم وأولادهم فإنهم فقراء وأصحاب صنائع ما بين نجار وبناء وصائغ وغير ذلك، فوعدهم أنه يرسل الى يعقوب أنه لا يقهر منهم من لا يريد الذهاب والسفر معه."

وفي 10 يوليو 1801م يبدأ "الخروج الكبير" فيخرج: " المسافرون مع الفرنساوية الى الروضة والجيزة بمتاعهم وحريمهم وهم جماعة كثيرة من القبط وتجار الإفرنج والمترجمين وبعض مسلمين ممن تداخل معهم، وخاف على نفسه بالتخلف وكثير من نصارى الشوام والأروام مثل يني وبرطلمين [...] " وهكذا يرحل الفرنسيون فكانت: " مدة الفرنساوية وتحكمهم بالديار المصرية ثلاث سنوات واحداً وعشرين يوماً فإنهم ملكوا بر انبابة والجيزة وكسروا الأمراء المصرية يوم السبت تاسع شهر صف سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف(20يوليو1798) وكان انتقالهم ونزولهم من القلاع وخلو المدينة منهم وانخلاعهم عن التصرف والتحكم ليلة الجمعة الحادي والعشرين من شهر صفر سنة ست عشرة ومائتين وألف(3يوليو1801) فسبحان من لا يزول ملكه ولا يتحول سلطانه". وهكذا تنتهي صفحة سوداء من تاريخ مصر لتبدأ صفحة آخري أشد سوادً. وبهذا نكون قد انتهينا من مُجمل الرواية الأولي وسنتوقف عند هذا الحد ولنا عودة مرة آخري للجبرتي لكننا سنبدأ-إن شاء الله- المرة القادمة في فحص الرواية الثانية.
******************************************************************************************************
(1) سنتعرض لبعض تلك الرسائل حين رؤيتنا لرواية الغزاة .
(2) أصدر المجلس الوطني "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" في أغسطس 1789م فأصبح الجميع "مواطنين" متساوو الحقوق-على الورق طبعاً- فأصبح لقب كل فرنسي هو "مواطن" وهو شبيه بلقب "رفيق" في النُظم الشيوعية ولقب "سيد" في مصر بعد 1952م، فأنت سيد لكن "على نفسك" كذلك لقب "مواطن" كلها مُجرد ألفاظ توحي بأن هناك مُساواة لكن الواقع أن الأوضاع كما هي مجرد أسماء تغيرت فقط.
(3) كل مؤمن بدين أو مذهب فكري يمكن وصفه "بالتعصب" طالما كان هذا التعصب ليس في صالح المؤمن الآخر بدين مُخالف أو مذهب فكري مُعادي. لكن لو كان في صالحه لرأيت أوصاف "التسامح" و "قبول الآخر" و"الوسطية" .... إلخ تُطلق عليه وعلى ما يعتقده.
(4) يقول مينو في رسالة لنابليون حين حصار الإسكندرية وتأكد هزيمة الفرنسيين يطلب منه أن يُراعي زوجته وابنه: " زوجتي تُدعي ستي زبيدة من نسل مُحمد من ناحية أمها وأبيها وهذا ما يُطلق عليه "الشريف". وابني يُدعي سُليمان مُراد سيكون هو أيضا شريف إنهما مُميزين بعمامتهما الخضراء فأنا لا أعرف شكله. فظروف الحرب أبعدتني عن زوجتي لفترة طويلة. أتمنى أنّ يُصبح ابني رجل مُستقيم وأن يكون فرنسي جيد فهذا أفضل من كُل كنوز الأرض"
(5)  كلود بروسبر دو كريبيون (1707م-1777م) روائي فرنسي.
(6) الصبر –ككل شيء- له مواضع يكون فيه فعل وصفة حميدة لكنه في مواضع آخري يكون جُبن وحقارة.
(7)  par le duc d'Harcourt, L'Égypte et les égyptiens  
(8)  البلادة هي الوصف الأنسب لما يُسمي "صبر المصريين".
(9) الكمثاري هو نطق لكلمة "commissaire" وتعني المُفَوض.
(10) جوزيف فورييه (1768م-1830م) الرياضي الفرنسي الشهير وكان عضواً بالمعهد المصري الذي أنشأه نابليون ليختص بالكشوف والبحوث العلمية وهو المعهد الذي أخرج كتاب "وصف مصر" الشهير.
(11) وقد كان من ضمن نصائح وارشادات نابليون لكليبر في رسالته التي نقلنا منها جزء في البداية حيث يقول لكليبر أن مُفتاح تحصين مصر هما العريش والإسكندرية وأنه كان ينوي انشاء حصون من النخيل من الصالحية لقطية ومن قطية للعريش.

(12) وينطبق هذا الوصف على "الطبقة" التي تُسمي برجال الدين-في أي دين- فهم خدم وعبيد السُلطة التي تعمل على انشاء وتعليم وتمويل تلك الطبقة طبقا لمصالحها حتى تُصبح السُلطة الحاكمة هي أحد "أركان" الدين نفسه.

الجمعة، 13 يناير 2017

الجيش المصري و شعبه 9

الجيش المصري و شعبه 9
-البداية
(6)

" أَيُّهَا الصُم اسْمَعُوا. أَيُّهَا الْعُمْي انْظُرُوا لِتُبْصِرُوا. يَا بِهَائِمٍ اعْقِلُوا لِتَفْهَمُوا، وَ يَا شُيُوخَ الْأَزْهَرِ هَللّوَا وعَرّصُوَا. يَا كُلُّ الْغَلَّابَة تَعَالوْا اشْتَرُوا وَكُلُوا. هَلُمُّوا اشْتَرَوْا بِلَا فِضَّةٍ وَبِلَا ثَمَنٍ أُرْزاً وزِيتَاً.  فَهَا أَنَا قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ لَأَنْقَذَكُمْ! قَدْ بَعَثَنِي اللَّهُ لِأُنْجِيَكُمْ! قَدْ قَدّرَ لِي الْمُلْك، فَهَلْ مِنْ مُعْتَرِضٍ عَلَى إِرَادَتِهِ؟ هَلْ مِنْ خَوَارِجَ بَيْنَكُمْ؟ هَلْ لَدَيْكُمْ عِيَال لَمْ تُرَبِّيهمْ أُمَّهَاتِهِمْ فَأُرَبِّيهِمْ لَكُمْ؟ كَأَنِّي أَسْمَعُ تَمَلْمُل وَتَذَمُّر. مَا بَال وُجُوهُكُمْ كَالِحَة عَابِسَة؟ أَلَا يَكْفِيكُمْ أَنِّي قَبِلْتُ أَنْ أَكُونَ سَيِّدكُمْ؟ مَاذَا تُرِيدُونَ بعد؟ أَيُوجد بَيْنَكُمْ رَجُلٌ يَتَحَدَّانِي؟ أَحْذَرُكُمْ جمِيعَاً فَلَنْ تَسْتَطِيعُوا خِدَاعِي فَأَنَا أَعْرِفُكُمْ جيدَاً. هَا هُو سَوْطِي بِيَدِي وَهَا هُو جَيْشِي يَأْتَمِرُ بِأَمْرِي فَاسْتَسْلَمُوا لِقَضَاءِ اللَّهِ وَإِلَّا فَالْوَيْلُ وَالثُّبُورُ وَلَيْلَة أَبُوكُمْ لَنْ يَطَّلِعَ لَهَا قَمَر وَلَا زُحل. وَسَتَتَمَنَّى أُمَّكُمْ أَنَّ أُمِّهَا لَمْ تُوَلِّدْ مِنْ الْأَصْلِ وَأَنَّ أَبُاهَا كَانَ عنِينَاً عقِيمَاً كَالْبَغْلِ "
الإصحاح التاسع من سفر شئون المعنوية

"لماذا لا يثور المصريون؟" سؤال طرحه أحد مُعرّصي النظام المُحنكين (علاء الأسواني) ورغم أنّ الإجابة واضحة ولا تحتاج لكثير عناء إلا أنه رفضها وقرر أن يلجأ إلى الأسطوانة المحفوظة عن أنّهم "غلابه" فُقراء:" يخوضون كل صباح معارك مريرة ضارية ينتزعون آخرها الطعام لهم ولأولادهم" ولا يملكون رفاهية الدخول في معارك "رومانسية" وأنهم يأسوا من الإصلاح فما عاد يعنيهم مَنْ يحكمهم ولكن عند ظهور "زعيم حقيقي ومُخلص" فإنهم يلتفون حوله ويثورون بقيادته على الظُلم، زعماء "مُخلصون" من أمثال سعد زغلول وعبد الناصر.

إنّ هذا الحمار "المُعارِض"-هو وأشباهه كالبغل عبد الحليم قنديل والحلوف إبراهيم عيسى-  أحد مُرددي أكذوبة أنّ "الجيش حمي الثورة" انتهي به المطاف أن يؤيد ويُساند نفس النظام الذي كان لسنوات يسرد القصص والحكاوي عن فساده وتوحشه وغبائه وتخلفه ويُبشر بالديمقراطية والحرية. إن الشعب المصري من الشعوب القليلة التي تستطيع فيها أن تكون حُكومي ومُعارض، تكون شريف وفاسد، صادق وعرص، عبقري وأهبل، أن تكون فيها مُسلم موحد وعدمي مُلحد في نفس الوقت بدون أن يُلاحظ أحد أي تناقض في هذا.

إن كل التبريرات التي تُعطي لمحاولة الابتعاد عن الإجابة الصادقة للسؤال السابق-وللمفارقة- هي نفسها الأسباب التي تدعو أي شعب للثورة. فالفقر والمعاناة واليأس والظُلم والقهر والتعذيب والفساد هي وقود أي ثورة ومُحركها وبدونها لا يُتخيل أن تكون هناك لا احتجاجات ولا ثورات. فالشعوب لا تقوم بثورة بدافع "الملل" أو في أوقات "فراغها" أو بحثاً عن "الرومانسية" أو فقط "زهقاً" ممن يحكمها بل هي نتاج سنوات من غياب العدل ومن الفقر والمعاناة.

توقفنا المرة السابقة عندما رأي الفرنسيون ضعف و هوان وذلة العثمانيين فقرروا أن لا يرحلوا بمثل تلك السهولة , خصوصاً و أن كليبر قد علم رفض بريطانيا لبنود “مُعاهدة العريش" و هي التي كانت تلعب دور الوسيط فيها , ففي 19 مارس 1800م: " ركب ساري عسكر كلهبر قبل طلوع الفجر بعساكره وصحبتهم المدافع وآلات الحرب وقسم عساكره طوابير، فمنهم من توجه الى عرضي(جيش) الوزير( يوسف باشا) ومنهم من مال على جهة المطرية فضربوا عليها فلم يسعهم إلا الجلاء والفرار وتركوا خيامهم ووطاقهم (معسكرهم)، وركب نصوح باشا (الوالي) عثمان كتخدا (نائب الصدر الأعظم يوسف باشا) ومن كان معهما وطلبوا جهة مصر(القاهرة)، فتركهم الفرنساوية ولحقوا بالذاهبين من إخوانهم الى جهة العرضي فلما قاربوه أرسلوا الى الوزير يأمرونه بالرحيل بعد أربع ساعات فلم يسعه إلا الارتحال والفرنساوية في أثره".

 وحينما سمع سُكان القاهرة صوت المدافع و البنادق: " كثر فيهم اللغط والقيل والقال ولم يدركوا حقيقة الحال" وهنا ستبدأ أحداث "ثورة القاهرة الثانية"، "فيهيج" الناس ويقتلوا: " أشخاصاً من الفرنساوية صادفوهم خارجين من البلد ليذهبوا الى أصحابهم, وذهبت شرذمة من عامة أهل مصر فانتهبت الخشب وبعض ما وجدوه من نحاس وغيره حيث كان عرضي الفرنساوية"  و ستبدأ "الزعامات" القديمة في الظهور مرة آخري فنجد جمع مكون من السيد عمر مكرم أفندي (1) والسيد أحمد المحروقي(2) نقيب التجار  وانضم إليهما أتراك خان الخليلي والمغاربة : "وتبعهم كثير من عامة أهل البلد، وتجمعوا على التلول خارج باب النصر وبأيدي الكثير منهم النبابيت والعصي والقليل معه السلاح، وكذلك تحزب كثير من طوائف العامة والأوباش والحشرات وجعلوا يطوفون بالأزقة وأطارف البلد ولهم صياح وضجيج وتجاوب بكلمات يقفّونها من اختراعاتهم وخًرافاتهم" قد تكون تلك الهتافات من نوعية "ارفع راسك فوق انت هندي" أو "العثمانيين و الشعب راضعين من نفس البقرة" أو الهتاف الخالد "مش هنمشي الا لما ناخده" -و الحمد لله كلهم "خدوه"- و كما رأينا فالجبرتي عنده حساسية من "الفتنة" و قد يكون تم "سَبيُه"- كما قلنا أنه احتمال وارد قد يكون حدث معه في "الثورة" الأولي- لذلك تجد مرارة و انكسار في كلماته عند ذكره لتلك الأحداث.

سيستمر الوضع هكذا و لا أحد يدري ما الذي يحدث أو ما الذي يجب أن يفعلوه حتي يلحق بهذا الجمع نصوح باشا الوالي و مجموعة من عساكره و عثمان كتخدا هذا بالإضافة لأمراء المماليك العائدين واتباعهم فما كان من نصوح باشا إلا أن هتف في جموع الناس: "اقتلوا النصارى وجاهدوا فيهم" ويبدو أنهم كانوا مُنتظرين أن يسمعوا ذلك فهاجوا –كالمعتاد-: "ورفعوا أصواتهم ومروا مسرعين يقتلون من يصادفونه من نصارى القبط والشوام وغيرهم، فذهبت طائفة الى حارات النصارى وبيوتهم […] فصاروا يكبسون الدور ويقتلون من يصادفونه من الرجال والنساء والصبيان وينهبون ويأسرون حتى اتصل ذلك بالمسلمين المجاورين لهم" لكن النصاري كانوا يعلمون أن هذا اليوم سيأتي: " فتحزبت النصارى واحترسوا وجمع كل منهم ما قدر عليه من العسكر الفرنساوي والأروام".

 وتستمر تلك "الاشتباكات" طوال اليوم فلما يُصبح ثاني يوم يُحضرون ثلاثة مدافع من المطرية ويهيئوها للضرب ويبدؤون "بقصف" بيت ساري عسكر كليبر. فتقع الحرب بين الفريقين حتى يجيء الليل فيبدأ "الثوار" في "التترس": "وشرعوا في بناء بعض جهات السور واجتهدوا في تحصين البلد بقدر الطاقة، وبات الناس في هذه الليلة خلف المتاريس" (3). ويبدأ الفرنسيين عند حلول الليل بانتهاز الفرصة الثمينة فتقصف: "المدافع والبنب على البلد من القلاع ووالوا الضرب بالخصوص على خط الجمالية لكون المعظم مجتمعاً بها" فلما رأي الناس ذلك "أجمع" رأي "الكبراء والرؤساء" علي أنّه "ما باليد حيلة" و الأفضل: " الخروج من البلد [...] لعجزهم عن المقاومة وعدم آلات الحرب وعزة الأقوات والقلاع بيد الفرنساوية [...]  وتسامع الناس بذلك فتجهز المعظم للخروج، وغصت خطة(منطقة أو ناحية) الجمالية وما والاها من الأخطاط بازدحام الناس الذين يريدون الخروج من المدينة [...] وازدحمت تلك النواحي بالحمير والبغال والخيول والهجن والجمال المحملة بالأثقال، وباتوا على تلك الصورة ووقع للناس في هذه الليلة من الكرب والمشقة والانزعاج والخوف ما لا يوصف" ولابد أنه في جوف الليل المُظلم و مع تلك الأعداد الغفيرة كانت بالتأكيد هناك صعوبة في التعرف علي إذا كان هؤلاء هم بغال يركبون بشر أم بغال تركبهم بشر؟

 هنا قد يبدو أن الأمر قد انتهي كما حدث مع "ثورة القاهرة الأولي" و "كفي الله المؤمنين شر القتال" و أن "الفتنة" قد انتهت بسلام و "الحمد لله" و لكن حينما يصل هذا "الإرجاف" للمناطق المجاورة, يذهب إليهم جماعة و يُشنعوا: " على من يريد الخروج وعضدهم طائفة عساكر الينكجرية (عساكر الإنكشارية و هم أفراد الحامية العثمانية التي تُرافق الوالي)، وعمدوا الى خيول الأمراء فحبسوها ببيت القاضي والوكائل، وأغلقوا باب النصر"(4). فيأتي صباح يوم السبت 22 مارس 1800م والناس على تلك الحالة في الشوارع ووراء المتاريس فيتهيأ: " كبراء العساكر والعساكر ومعظم أهل مصر(القاهرة) ما عدا الضعيف الذي لا قوة له للحرب[...] وسكن الكثير في البيوت الخالية والبعض خلف المتاريس، وأخذوا عدة مدافع زيادة عن الثلاثة المتقدمة وجدت مدفونة في بعض بيوت الأمراء، وأحضروا من حوانيت العطارين من المثقلات التي يزنون بها البضائع من حديد وأحجار استعملوها عوضاً عن الجلل للمدافع (5)، وصاروا يضربون بها بيت ساري عسكر".

 سرت الحماسة في الجميع وذابت الفروق والرُتب ولم يتوقف الأمر عند هذا بل نجد حالة من "التآخي" و "الإيثار" التي تُظهر "معدن المصريين الحقيقي"(6) حيث يتولى: "السيد أحمد المحروقي وباقي التجار ومساتير الناس الكلف والنفقات والمآكل والمشارب وكذلك جميع أهل مصر، كل إنسان سمح بنفسه وبجميع ما يملكه، وأعان بعضهم بعضاً، وفعلوا ما في وسعهم وطاقتهم من المعونة [...] وأهل الأرياف القريبة تأتي بالميرة والاحتياجات من السمن والجبن واللبن والغلة والتبن والغنم، فيبيعونه على أهل مصر، ثم يرجعون الى بلادهم". وقد يُخيل إليك حين قراءتك لتلك الأحداث أنك تسمع في الطُرقات صوت حمادة هلال وهو يتغنى بأن " شهداء 20 مارس ماتوا في أحداث مارس راحوا وفارقوا الحياة" أو صوت نوارة نجم تجري "بالهوت شورت" في أزقة القاهرة تهتف "خلاص مفيش ظُلم تاني مفيش خوف تاني".

لكن المشهد لم يكن بتلك "الوردية" فقد كان كل: " من قبض على نصراني أويهودي أو فرنساوي أخذه وذهب به الى الجمالية حيث عثمان كتخدا ويأخذ عليه البقشيش، فيحبس البعض حتى يظهر أمره ويقتل البعض ظلماً وربما قتل العامة من قتلوه وأتوا برأسه لأجل البقشيش، وكذلك كل من قطع رأساً من رؤوس الفرنساوية يذهب بها إما لنصوح باشا بالأزبكية وإما لعثمان كتخدا بالجمالية ويأخذوا في مقابلة ذلك الدراهم". لذلك لابد أن يُخيل لك انك تسمع -بالإضافة لحمادة و نوارة- أيضاً صوت مكاري يونان منفعلا باكيا بأن: ""كل مرة هايحصل فيها أحداث هانزيد محبة لاخواتنا المسلمين".

يبقي الوضع علي هذا المنوال عدة أيام حيث يقول الجبرتي  بعد هذا بدأوا في غلق الأبواب علي أطراف المدينة وبناء المتاريس بل حتي أن عثمان كتخدا سيُنفق أموالاً كثيرة لإنشاء معملاً للبارود و سيحضر صُناع الأسلحة و الحدادين و النجارين: "لإنشاء مدافع وبنبات وإصلاح المدافع التي وجدوها في بعض البيوت، وعمل العجل والعربات والجلل وغير ذلك من المهمات الجزئية، وأحضروا لهم ما يحتاجون إليه من الأخشاب وفروع الأشجار والحديد" وسيهتم كل أمير و مماليكه بناحية من النواحي: "جلس عثمان بك الأشقر عند متاريس باب اللوق وناحية المدابغ وعثمان بك طبل عند متاريس المحجر ومحمد بك المبدول عند الشيخ ريحان ومحمد كاشف أيوب وجماعة أيوب بك الكبير والصغير عند الناصرية ومصطفى بك الكبير بقناطر السباع وسليمان كاشف المحمودي عند سوق السلاح [...] وبالجملة كل من كان في حارة من أطراف البلد انضم الى العسكر الذي بجهته، بحيث صار جميع أهل مصر والعساكر كلها واقفة بأطراف البلد عند الأبواب والمتاريس والأسوار، وبعض عساكر من العثمانية وما انضم إليهم من أهل مصر المتسلحين مكثت بالجمالية، إذا جاء صارخ من جهة من الجهات أمدوه بطائفة من هؤلاء، وصار جميع أهل مصر(القاهرة) إما بالأزقة ليلاً ونهاراً، وهو من لا يمكنه القتال. وأما بالأطراف وراء المتاريس وهو من عنده إقدام وتمكن من الحرب، ولم ينم أحد ببيته سوى الضعيف والجبان والخائف".

 ولكي تكتمل الإثارة يقول الجبرتي: " أما بولاق (7) فإنها قامت على ساق واحد، وتحزم الحاج مصطفى البشتيلي (8) وأمثاله وهيجوا العامة وهيأوا عصيهم وأسلحتهم ورمحوا وصفحوا، وأول ما بدأوا به أنهم ذهبوا الى وطاق(مُعسكر) الفرنسيس الذي تركوه بساحل البحر وعنده حرسية منهم، فقتلوا من أدركوه منهم ونهبوا جميع ما فيه من خيام ومتاع وغيره، ورجعوا الى البلد وفتحوا مخازن الغلال والودائع التي للفرنساوية وأخذوا ما أحبوا منها وعملوا كرانك حوالي البلد ومتاريس، واستعدوا للحرب والجهاد، وقوي في رأسهم العناد واستطالوا على من كان ساكناً ببولاق من نصارى القبط والشوام، فأوقعوا بهم بعض النهب وربما قتل منهم أشخاص" بل و قد ظهر رجل مغربي يمكن ان يكون هو الذي كان ادعي أنه المهدي" يقال إنه الذي كان يحارب الفرنسيس بجهة البحيرة سابقاً" ثم يصب الجبرتي جام غضبه عليه . على أن هذا المغربي-رغم ادعائه المهدوية كذباً- كان أكثر الناس فهماً لما يجب عمله: " وفعل ذلك الرجل المغربي أموراً تنكر عليه، فكان يتجسس على البيوت التي بها الفرنسيس والنصارى فيكبس عليهم ومعه جمع من العوام والعسكر فيقتلون من يجدونه منهم وينهبون الدار ويسحبون النساء ويسلبون ما عليهن من الحلي".

لكن الجبرتي-كالعادة- حزين يري أن الزمان قد تغير و"الدنيا بقت وحشة" وأين "أخلاق زمان وناس زمان" فيقول: "وتتبع الناس عورات بعضهم البعض وما دعتهم إليه حظوظ أنفسهم وحقدهم وضغائنهم، واتهم الشيخ خليل البكري (9) بأنه يوالي الفرنسيس ويرسل إليهم الأطعمة. فهجم عليه طائفة من العسكر مع بعض أوباش العامة ونهبوا داره وسجنوه مع أولاده وحريمه وأحضروه الى الجمالية وهو ماش على أقدامه ورأسه مكشوفة، وحصلت له إهانة بالغة وسمع من العامة كلاماً مؤلماً وشتماً فلما مثلوه بين يدي عثمان كتخدا هاله ذلك واغتم غماً شديداً. ووعده بخير وطيب خاطره، وأخذه سيدي أحمد بن محمود محرم التاجر مع حريمه الى داره وأكرمهم وكساهم، وأقاموا عنده حتى انقضت الحادثة".

أما كليبر فكان مشغولاً أثناء هذا كله في ملاحقة الوزير يوسف باشا حيث ستدور عدة معارك سينهزم فيها العثمانيين والمماليك: " ولم يكن لهم بهم طاقة، فطلبوا الأمان فأمنوهم وأخذوا سلاحهم وأخرجوهم حيث شاءوا، فذهبوا أشتاتاً في الأرياف يتكففون الناس ويأوون الى المساجد الخربة، ومات أكثرهم من العري والجوع".

فلما هُزموا يذهب أحد الأمراء وهو عثمان بك و من تبقي من عساكره ليلحق بالوزير الهارب إلي الصالحية-شرق محافظة الشرقية- ويعنفه و يلوموه علي هروبه فيعتذر إليهم: " بأعذار ومنها عدم الاستعداد للحرب وتركه معظم الجبخانة (السلاح) والمدافع الكبار بالعريش، اتكالاً على أمر الصلح الواقع بين الفريقين، وظنه غفلة الفرنساوية عما دبره عليهم مع الإنكليز", فيطلب منه عثمان بك بأن كل ما عليه أن يبقي هو هنا و أن يُرسل معه عساكره ليقاتل بهم الفرنسيين : " فخاطب العسكر وبذل لهم الرغائب، فامتنعوا ولم يمتثل منهم إلا المطيع والمتطوع، وهم نحو الألف، وعادوا على أثرهم وجمعوا منهم من كان مشتتاً ومنتشراً في البلاد ورجعوا يريدون محاربة الفرنساوية" لكن مع كل هذا التشرذم و "الفهلوة" المنتشرة سواء بين القادة أو الجنود نجد أنّ النتيجة الحتمية هو الهزيمة عند مُلاقاة عدو موحد و ذكي فيلتقي الفريقين: "فضاربوهم بالنبابيت والحجارة، وأصيب سرج ساري عسكر بنبوت فانكسر وسقط ترجمانه الى الأرض، وتسامع المسلمون فركبوا لنجدتهم، واستصرخ الفرنساوية عساكرهم فلحقوا بهم ووقع الحرب بين الفريقين حتى حال بينهما الليل، فانكف الفريقان وانحاز كل فريق ناحية، فلما دخل الليل واشتد الظلام أحاط العسكر الفرنساوي بعساكر المسلمين فأصبح المسلمون وقد رأوا إحاطة العسكر بهم من كل جانب، فركبت الخيالة وتبعتهم المشاة واخترقوا تلك الدائرة، وسلم منهم من سلم وعطب من عطب". فيعودن وهم يجرون أذيال الخيبة إلي الوزير في الصالحية: " فعند ذلك ارتحل الوزير ورجع الى الشام"  وأما مراد بك "الأمير" الذي هادنه الفرنسيون علي حكم الصعيد علي أن يدفع "المعلوم" فقد كان يراقب الموقف من بعيد فلما رأي انكسار العثمانيين و المماليك آثر الابتعاد و فضل أن يلعب دور "خضرة الشريفة". وحين تأكد كليبر وجنوده من هزيمة الوزير وهروبه ظل يُطاردوهم: " حتى بعد عن الصالحية، فأبقى بها بعضاً من عسكر الفرنسيس محافظين، وكذلك بالقرين وبلبيس ورجع الى مصر(القاهرة)، وقد بلغت الأخبار بما حصل من دخول ناصف باشا والأمراء وقيام الرعية."

عند هذا ستصل الأخبار "للثوار" عن أنهم أصبحوا معزولين تماما بلا مُغيث و لا مُعين -الذي كانوا يعولون عليه- و ما تترسهم إلا اعتقادهم أن الأمر لن يطول و ما هي إلا أيام و ينسحق الجيش الفرنسي عن آخره و يطلبون الرحمة فلا يجدوها فُيخفي "الثوار" الأمر عن جموع الناس : " وأشاعوا خلافة لئلا تنحل عزائم الناس عن القتال وتضعف نفوسهم، واستمر الباشا يظهر كتابة المراسلات وإرسال السعاة في طلب النجدة والمعونة" بل و حتي: " افتعلوا أجوبة فزوروها على الناس فتروج عليهم وتسرى في غفلتهم، ويقولون للناس في كل وقت إن حضرة الصدر الأعظم مجتهد في محاربة الفرنسيس، وفي غد أو بعد غد يقوم بالعساكر والجنود بعد قطع العدو، وعند حضوره ووصوله يحصل تمام الفتح وتهدم العساكر القلاع وتقلبها على من يبقى من الفرنساوية" و بعدها تعيشوا في "تبات ونبات و تخلفوا صبيان و بنات" و ما عليكم إلا أن تجتهدوا: " فيما أنتم فيه وتابعوا المناداة على الناس والعسكر باللسان العربي والتركي بالتحريض والاجتهاد والحرص على الصبر والقتال وملاقاة العدو ونحو ذلك" و قد استطاع خمسمائة من العسكر الألبان الذين كان ارسلهم الوالي لجمع الأموال و الجبايات من الأرياف أن يدخلوا القاهرة برغم حصار الفرنسيين لها ففرح: " الناس لقدومهم وضجت القلعة بحضورهم واشتدت قواهم، واتفقوا أن يقولوا للناس إذا سئلوا أنهم حاضرون مدداً، وسيأتي في إثرهم عشرون ألفاً وعليهم كبير ونحو ذلك". لابد حينها قد بدأت تسري الشائعات بين الناس عن وجود "انشقاقات" داخل الجيش الفرنسي وأنّ "شرفاء هذا الجيش" رفضوا تنفيذ الأوامر بقتل وقصف المصريين "الأبرياء" فحبسهم كليبر "الشرير" في مكان مجهول وأن كليبر نفسه بدأ يهذي ويولول وأنه نادم فلم يكن "ينتوي" أن يبقي في مصر لكن إذا كانت هذه هي "إرادة المصريين" فهو مُستعد "للرحيل".

يُكمل الجبرتي أنه بعد ثمانية أيام من تلك "الحركة" (10): " أحاطت العساكر الفرنساوية بالمدينة وبولاق من خارج، ومنعوا الداخل من الدخول والخارج من الخروج [...] وأحاطوا بها إحاطة السوار بالمعصم" فبدأ الهروب الجماعي لأتباع الفرنسيين المحصورين داخل المدينة: " كبعض القبطة ونصارى الشوام وغيرهم يهربون إليهم ويتسلقون من الأسوار والحيطان بحريمهم وأولادهم" أما المعلم يعقوب الذي قلنا أن هذا النوع أذكي و اشرس فكان يعلم أن هذا اليوم سيأتي فعمد بعد "ثورة القاهرة الأولي" لبناء قلعة مُحصنة و خزن فيها الأسلحة استعداد لهذا اليوم و: " كرنك (تحصن) في داره بالدرب الواسع جهة الرويعي واستعد استعداداً كبيراً بالسلاح والعسكر المحاربين" أما بقية "الشلة" و الذين لم يستطيعوا الهروب و أو لم يُحصنوا أنفسهم كيعقوب مثل جرجس الجوهري وفلتيؤس وملطي: " فإنهم طلبوا الأمان من المتكلمين من المسلمين لكونهم انحصروا في دورهم وهم في وسطهم، وخافوا على نهب دورهم إذا خرجوا فارين، فأرسلوا إليهم الأمان فحضروا وقابلوا الباشا والكتخدا والأمراء وأعانوهم بالمال واللوازم".

 هنا سيبدأ المتوقع, فالمتترسين ليس أمامهم خيارات كثيرة غير مبادلة القصف بالقصف و حيث أنه لن يتوقف القصف ليلاً أو نهاراً فتحولت حياة الناس لجحيم: "وعدمت الأقوات وغلت أسعار المبيعات وعزت المأكولات وفقدت الحبوب والغلات، وارتفع وجود الخبز من الأسواق وامتنع الطوافون به على الأطباق، وصارت العساكر الذين مع الناس بالبلد يحفظون ما يجدونه بأيدي الناس من المآكل والمشارب، وغلا سعر الماء المأخوذ من الآبار أو الأسبلة، حتى بلغ سعر القربة نيفاً وستين نصفاً، وأما البحر فلا يكاد يصل إليه أحد" فيبدأ "أصحاب المصالح" من الشيوخ و التجار والأعيان الأغنياء بأن تتكفل: " بكلف العساكر المقيمين بالمتاريس المجاورة لهم فألزموا الشيخ السادات بكلفة الذين عند قناطر السباع" من الواضح أن هذه "الثورة واقفة بخسارة" عليهم لكن في سبيل عودة الأوضاع كما كانت قبل قدوم هؤلاء الفرنسيين "الكُفار" تهون المصاعب و ما نخسره اليوم نعوضه غداً بسهولة. هل رأيت يوماً ثورة تقوم لتُعيد الأوضاع لما أدي أساساً إلى الوضع الحالي "المتنيل بنيله" الذي يثورون عليه؟ -نعم هناك "ثورات" في تاريخ مصر قامت بذلك منها "ثورة القاهرة الثانية" و "ثورة 30 يونيو". بغض النظر أنك قد تعتبر أن 30 يونيو ليست ثورة أصلاً-وهذا صحيح- لكن السبب الرئيسي لهذا أنك كُنت شاهد علي أحداثها –حتى ولو كمتفرج- فأدركت أنّ الذي يُحرك الأحداث هو الجيش ومُخابراته ورجال أعماله وإعلامه. لكن مع تكرار الأكاذيب بشأنها وبمرور الوقت ليس بعيداً أن يُشير الجيل القادم لها باعتبارها "أعظم ثورة في تاريخ البشرية" ككل "انجاز" تافه يقوم به هذا الشعب. أمّا بالنسبة "لثورة القاهرة الثانية" فلا يعني أنّ "الثوار" استخدموا كُل ما تطالهم أيديهم في مواجهة المُستعمر بدءً من العصيان و النبابيت و الحجارة و انتهاء بصناعة البارود و قذائف المدفع فلا يعني هذا أنها افضل ممن استخدموا الأصابع و الأعلام في "ثوراتهم"  فالأثنين علي نفس القدر من الغباء ويكفي أن تُشاهد "ثوار سوريا" لتُدرك أنّ السلاح وحده ليس دليلاً علي "صدق النوايا" بل إن هؤلاء "الثوار" هُناك يُحركهم العدو قبل الصديق وحتي لو افترضنا "إخلاص و صدق" بعضهم فهذا لا ينفي "غبائهم و تخلفهم" لأنه في الحالين مصيرهم واحد: الفشل.

أعطني أبواق تُردد ما أقوله و بعض الوقت وأعدك أن أجعل كُل حمار غبي عرص لهذا الشعب : "زعيم مُخلص"

وينادي: " بالعربي والتركي على الناس بالجهاد والمحافظة على المتاريس" ثم تُسمع أصوات قادمة من بعيد "جاسوس... جاسوس" حيث يُتهم مصطفي آغا مُستحفظان (11): " بموالاته للفرنساوية، وأنه عنده في بيته جماعة من الفرنسيس. فهجمت العساكر على داره بدرب الحجر فوجدوا أنفاراً قليلة من الفرنسيس، فقاتلوا وحاموا عن أنفسهم وقتل منهم البعض وهرب البعض على حمية حتى خلصوا الى الناصرية، وأما الآغا فإنهم قبضوا عليه وأحضروه بين يدي عثمان كتخدا ثم تسلمه الإنكشارية وخنقوه ليلاً بالوكالة التي عند باب النصر ورموا جيفته على مزبلة خارج البلد." وهنا تتساءل لماذا كان هذا موقفهم مع "زميل" لهم؟ لكن لما قيل هذا عن العرص خليل البكري وهو معروف بموالاته للفرنسيين لم يفعلوا معه شيئاً بل حينما أمسكوا به كما تقدم وقدموه لعثمان كتخدا: " هاله ذلك واغتم غماً شديداً. ووعده بخير وطيب خاطره". يمكن البكري "ماسك" على "الثوار" أسطوانات حجرية مُخلة ولا حاجة -الله أعلم- وهدد "إنه لو حصله أي مكروه" في ناس سوف تطبعها بجودة ممتازة علي الرخام و توزعها علي الناس لكي يروا "الثوار" علي حقيقتهم.

ويُشدد الآغا مُستحفظان الجديد على الناس: " ومنعهم من دخول الدور وكل من وجده داخل داره مقته وضربه، فكان الناس يبيتون بالأزقة والأسواق حتى الأمراء والأعيان" وتزداد الأحوال سوءً على سوء حيث: " هلكت البهائم من الجوع لعدم وجود العلف من التين والفول والشعير والدريس. بحيث صار ينادي على الحمار أو البغل المعدّد الذي قيمته ثلاثون ريالاً وأكثر بمائة نصف فضة أو ريال واحداً وأقل، ولا يوجد من يشتريه، وفي كل يوم يتضاعف الحال وتعظم الأهوال [...] وترامى الفريقان بالمدافع والنيران حتى احترق ما بينهم من الدور" ثم يصف الجبرتي حالة الدمار التي حلت بالمدينة و البيوت والقصور التي خربت و تهدمت جراء ذلك و يقول: " وصارت كلها تلالاً وخرائب كأنها لم تكن مغني صبابات ولا مواطن أنس ونزاهات[...] وقد جنت عليها أيدي الزمان وطوارق الحدثان حتى تبدلت محاسنها وأقفرت مساكنها، وهكذا عقبى سوء ما عملوا، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا." يا سلام الجبرتي هذا "بيخُر" حكمة!!

 لا يجد "الثوار" أمامهم غير "خضرة الشريفة", أقصد مراد بك أمير الصعيد لطلب العون منه من أن يحضر بنفسه أو يُرسل: "الأمراء والأجناد التي عنده" فيعتذر و يخبرهم أنه: " محافظ على الجهة التي هو فيها" و يبدو أن "الثوار" أغبياء لم يفهموا الرسالة فيرسلون إليه ثانية من أن يُرسل من يستعلم عن أمر الوزير يوسف باشا فهم محاصرون و "لا آراكم الله مكروه في عزيز لديكم" و" حسنة قليلة تمنع بلاوي كتيرة" و "هنيالك يا فاعل الخير" فيرد عليهم بالمختصر المفيد أنّ :" الفرنساوية إذا ظفروا بالعثمانية لا يقتلونهم ولا يضربونهم وأنتم كذلك معهم. فاقبلوا نُصحي واطلبوا الصلح معهم واخرجوا سالمين". فلما يأتيهم رده يغضب بعض الأمراء المماليك ومنهم حسن بك الجداوي وعثمان بك الأشقر: " وقالوا: كيف يصح هذا الأمر وقد دخلنا الى البلد وملكناها فكيف نخرج منها طائعين؟ ونحو ذلك، هذا مما لا يكون أبداً" فيُشير عليهم إبراهيم بك –هذا كان قد هرب بعد دخول الفرنسيين القاهرة إلى الشام- بأن يذهب عثمان بك الأشقر بنفسه: " ليقول لمراد بك ما يقوله، فلما اجتمع به ورجع، لم يرجع على ما كان عليه حال ذهابه وفترت همته وجنح لرأي مراد بك". لابد أنّ مراد بك افهمه أنه لا فائدة مما يفعلون والأفضل أن يجنحوا "للسلم" وطالما امتيازاتنا محفوظة فلن تفرق أن تكون مصر تابعة لسُلطة فرنسا أو الباب العالي أو حتى باب اللوق وهو التفكير الذي سيسود حتى يومنا هذا.

تحطم الأمل الأخير "للثوار" وتحولت "الثورة" لكابوس حيث: " استمر الحال على ما هو عليه من اشتعال نيران الحرب وشدة البلاء والكرب ووقوع البنبات على الدور والمساكن من القلاع والهدم والحرق وصراخ النساء من البيوت والصغار من الخوف والجزع والهلع، مع القحط وفقد المآكل والمشارب وغلق الحوانيت والطوابين والمخابز. ووقوف حال الناس من البيع والشراء وتفليس الناس وعدم وجدان ما ينفقونه إن وجدوا شيئاً. واستمر ضرب المدافع والقناير والبنادق والنيران ليلاً ونهاراً حتى كان الناس لا يهنأ لهم نوم ولا راحة ولا جلوس لحظة لطيفة من الزمن ومقامهم دائماً أبداً بالأزقة والأسواق، وكأنما على رؤوسهم الجميع الطير، وأما النساء والصبيان فمقامهم بأسفل الحواصل والعقودات تحت طباق الأبنية الى غير ذلك.[...] وجرى على الناس ما لا يسطر في كتاب ولم يكن لأحد في حساب ولا يمكن الوقوف على كلياته فضلاً عن جزئياته، منها عدم النوم ليلاً ونهاراً وعدم الطمأنينة وغلو الأقوات وفقد الكثير منها خصوصاً الأدهان، وتوقع الهلاك كل لحظة والتكليف بما لا يطاق ومغالبة الجهلاء على العقلاء وتطاول السفهاء على الرؤساء، وتهور العامة ولغط الحرافيش وغير ذلك "

عند هذا الحد تبدأ مُباحثات "الصُلح" فيتردد على "الثوار" كُلاً من عثمان بك البرديسي ومصطفى كاشف(12) –وهما من أتباع مراد بك-مُرسلين من قبل الفرنسيين: " في شأن الصلح وخروج العساكر العثمانية من مصر والتهديد بحرقها وهدمها إذا لم يتم هذا الغرض." ولكن حين يصلوا لطريق مسدود يُرسل الفرنسيون للوالي و الكتخدا و الأمراء أن يبعثوا لهم بالمشايخ ليتكلموا معهم بخصوص الصُلح فيُرسلوا لهم "طقم" من المشايخ منهم الشيخ عبدالله الشرقاوي و سليمان الفيومي و محمد المهدي وحين وصولهم يُخاطبهم كليبر-عن طريق مُترجم- أنّه قد: " أمّن أهل مصر أماناً شافياً وأن الباشا والكتخدا ومن معهما من العساكر العثمانية يخرجون من مصر ويلحقون بالعرضي، وعلى الفرنساوية القيام بما يحتاجون إليه من المؤونة والذخيرة حتى يصلوا الى معسكرهم، وأما الأجناد المصرية الداخلة معهم فمن أراد منهم المقام بمصر من المماليك والغز الداخلين معهم فليقم وله الإكرام، ومن أراد الخروج فليخرج، والجرحى من العثملي يجردون من سلاحهم وإن كان يأخذه الكتخدا فليأخذه وعلينا أن نداويهم حتى يبرئوا، ومن أقام بعد البرء منهم فعلينا مؤونته ومن أراد الخروج بعد برئه فليخرج، وعلى أهل مصر الأمان فإنهم رعيتنا، وتوافقوا على ذلك وتراضوا عليه". ثم ثاني يوم يقول كليبر للشيوخ: " لأي شيء تفعلون هذا الفعل وهذه المحاربات والوزير ولّى مهزوماً ورجع هارباً ولا يمكن عوده في هذا الحين إلا أن يكون بعد ستة أشهر". فيعتذروا  له و إنهم "مالهومش دعوة بحاجة" و أنّ كُل تلك الأفعال هي أفعال متهورة جبانة "فدفع المفسدة مُقدم علي جلب المنفعة" وهم لم يُقدروا "المصالح و المفاسد" فيما فعلوه و العامة لا عقول لهم-هذا علي أساس أنهم من أصحاب العقول- و أن مَنْ فعل هذا هو: " ناصف باشا وكتخدا الدولة: وابراهيم بك ومن معهم، فإنهم هم الذين أثاروا الفتنة وهيجوا الرعايا ومنوا الناس الأماني الكاذبة" فاخبرهم كليبر أن يرجعوا و يقولوا لهم: " يتركون القتال ويخرجون فيلحقون بوزيرهم، فإنهم لا طاقة لهم على حربنا ويكونون سبباً لهلاك الرعية وحرق البلدين مصر(القاهرة) وبولاق". فيُخبروه بخوفهم إن هم فعلوا ذلك وانسحب العثمانيين والمماليك أنكم تنتقمون منًا ومن العامة. فيُطمئنهم كليبر الحنون ويقول: " لا نفعل ذلك فإنهم إذا رضوا ومنعوا الحرب اجتمعنا معكم وإياهم وعقدنا صلحاً ولا نطالبكم بشيء، والذي قتل منا في نظير الذي قتل منكم وزودناهم وأعطيناهم ما يحتاجون من خيل وجمال، وأصبحنا معهم من يوصلهم الى مأمنهم من عسكرنا، ولا نضر أحداً بعد ذلك". الحقيقة يعني الفرنسيون "عداهم العيب" والشيوخ "عملوا اللي عليهم" الدور والباقي على مُهيجي الفتنة "كلاب النار".

هنا ستتحول "الثورة المُسلحة" لمسخرة مُضحكة -ككل ثورة يقوم بها المصريين-  فحين يرجع الشيوخ ويُخبرون الوالي والناس بعرض كليبر المُغري قام عليهم الناس: " وسبّوهم وشتموهم وضربوا الشرقاوي والسرسي ورموا عمائمهم وأسمعوهم قبيح الكلام، وصاروا يقولون: هؤلاء المشايخ ارتدوا وعملوا فرنسيس ومرادهم خذلان المسلمين وأنهم أخذوا دراهم من الفرنسيس". وسيدخل الرجل المغربي علي الخط -حيث سيحمله الجبرتي سبب كل ما حدث- ويقول: " الصلح منقوض وعليكم بالجهاد، ومن تأخر عنه ضُرب عنقه" وأنّ الشيخ أبو الأنوار السادات كان في بيت الشيخ مصطفي الصاوي فخاف إن هو خرج في تلك "المعمعة" أن يطاله "قفا مُحترم" أو "شلوت" من واحد مقاس "جزمته 90" أو يكون واحد من "الأوباش" مُنتظره "يُلبي نداء الطبيعة" عليه. فأرسل أمامه مُنادي يقول: "الزموا المتاريس" وهكذا نجي السادات "بذكاء" من أن يصل أحد من العامة لأي من "عورتيه": "قفاه" و "مؤخرته".

وسيلتف الناس حول هذا الرجل المغربي: " لعدم إدراكهم لعواقب الأمور، فالتووا عليهم وتعضد كل بالآخر". ثم يقدم الجبرتي لنا دوافع هذا الرجل من أن غرضه هو استمرار تلك الفتنة لأنها من خلالها "بياكل اللي هو عايزه" من أفخر الأكلات في حين أنّ الناس لا تجد ما تأكله فهو: " إذا نزل جهة من جهات المدينة لإظهار أنه يريد المعونة أو الحرس فيقدمون له بالطعام فيقول: لا آكل إلا الفراخ، ويظهر أنه صائم فيكلف أهل تلك الجهة أنواع المشقات والتالفات بتعنته في هذه الشدة بطلب أفحش المأكولات وما هو مفقود". وتحت ذريعة تلك الفتنة يقوم بالسلب والنهب ويصور نفسه بصورة الأمير باجتماع "الأوغاد" عليه. ثم بعد هذا كُله فهو لا يفعل شيئاً: " بل إذا دهم العدو تلك الجهة التي هو فيها فارقها وانتقل لغيرها، وهكذا كان ديدنه" وكذلك هو "ماوراهوش حاجة يخاف عليها"-مثل الجبرتي وبقية الشيوخ والأعيان- فهو: " ليس ممن له في مصر ما يخاف عليه من مسكن أو أهل أو مال أو غير ذلك بل كما قيل: لا ناقتي فيها ولا جملي". وأنه لو كان مجاهد حقاً: " لكانت شواهد علانيته أظهر من نار على علم، أو اقتحم كغيره ممن سمعنا عنهم من المخلصين في الجهات وفي بيع أنفسهم في مرضاة رب العباد لظي الهيجاء، ولم يتعنت على الفقراء ولم يجعل همته في السلب مصروفة وحال سلوكه عند الناس ليست معروفة". واخيراً فهذا الرجل كان: " سبباً في تهدم أغلب المنازل بالأزبكية، ومن جملة ما رميت به مصر من البلاء[...] فما قدر هذا الأهوج حتى ينقض صلحاً أو يبرمه وأي شيء يكون هو حتى ينادي أو ينصب نفسه بدون أن ينصبه أحد". منطق مازلنا نسمعه مراراً وتكراراً ويبدو أن هذا المغربي هو من "سبي" الجبرتي لذلك يحمل الجبرتي في صدره كل هذا الكُره له.

"الثوار" سيعتقدون أن طلب الفرنسيين للصُلح يعني أنهم في موقف ضعف ولولا أنّ: " الكفرة الملاعين تبين لهم الغلب والعجز ما طلبوا المصالحة والموادعة وأن بارودهم وذخيرتهم فرغت، ولم يردوا عليهم جواباً بل ضربوا بالمدافع والبنادق “. لكن الفرنسيون لم يفقدوا الأمل بعد في الوصول لحل "سلمي للأزمة" فيرسلون يستعلمون عن الرد على طلب الصُلح فيجيبهم الوالي والكتخدا بأن: " العساكر لم يرضوا بذلك ويقولون لا نرجع عن حربهم حتى نظفر بهم أو نموت عن آخرنا، وليس في قدرتنا قهرهم على الصلح". لكن يجيء الرد الفرنسي مُفحماً مُلجماً: " قد عجبنا من قولكم إن العساكر لم ترض بالصلح وكيف يكون الأمير أميراً على جيش ولا ينفذ أمره فيهم". وسيبعث الفرنسيون ايضاً "لثوار" بولاق يطلبوهم: " للصلح وترك الحرب ويحذرونهم عاقبة ذلك فلم يرضوا، وصمموا على العناد فكرروا عليهم المراسلة، وهم لا يزدادون إلا مخالفة وشغباً". وفي آخر مرة يبعثوا فيها رسولاً فرنسياً يقول: " "أمان أمان سوا سوا"، وبيده ورقة من ساري عسكر فأنزلوه من على فرسه وقتلوه". كُل هذا والنّاس تظُن-كما قُلنا- أن هناك نجدة قادمة من الخارج-والتي لن تأتي- حيث يقترح محمد بك الألفي –أحد امراء المماليك- علي عثمان كتخدا أن يرفعوا: " على هلالات المنارات أعلاماً نهاراً ويوقدون عليها القناديل ليلاً ليرى ذلك العسكر القادم فيهتدي ويعلمون أن البلد بيد المسلمين، وأنهم منصورون، وكذلك صنع معهم أهل بولاق، وذلك لغلبة ظن الناس أن هناك عسكراً قادمين لنجدتهم."

أخيراً سيبدأ اسدال الستار على هذا "الفاصل الفُكاهي" من حياة المصريين، ففي فصل الربيع في 16 ابريل 1800م في يوم لم تطلع له شمس حيث: " غيمت السماء غيماً كثيفاً وأرعدت رعداً مُزعجاً عنيفاً وأمطرت مطراً غزيراً وسيلت سيلاً كثيراً، فسالت المياه في الجهات وتوحلت جميع السكك والطرقات فاشتغل الناس بتجفيف المياه والأوحال، ولطخت الأمراء والعساكر بسراويلهم ومراكيبهم بالطين". واستغل الفرنسيون هذا الجو المُمطر و هجموا علي "الثوار" بدون "احم ولا دستور"-يالها من خسة و نذالة-: "  من كل ناحية ولم يبالوا بالأمطار لأنهم في خارج الأفنية وهي لا تتأثر بالمياه كداخل الأبنية، وعندهم الاستعداد والتحفظ والخفة في ملابسهم وما على رؤوسهم، وكذلك أسلحتهم وعددهم وصنائعهم، بخلاف المسلمين [...] وعملوا فتائل مغمسة بالزيت والقطران وكعكات غليظة ملوية على أعناقهم معمولة بالنفط والمياه المصنوعة المقطرة التي تشتعل ويقوى لهبها بالماء[...] ويهجمون أيضاً وأمامهم المدافع وطائفة خلفهم بواردية يقال لهم: "السلطات" يرمون بالبندق المتتابع، وطائفة بأيديهم الفتائل والكعكات المشتعلة بالنيران يلهبون بها السقائف وضرف الحوانيت وشبابيك الدور، ويزحفون على هذه الصورة شيئاً فشيئاً". ويخبرنا الجبرتي أن أهل القاهرة وبولاق: " قاتلوا بشدة همتهم وعزمهم [...] وزلزلوا في ذلك اليوم والليلة زلزالاً شديداً، وهاجت العامة وصرخت النساء والصبيان، ونطوا من الحيطان، والنيران تأخذ المتوسطين بين الفئتين من كل جهة، هذا والأمطار تسح حصة من النهار وكذلك بالليل من ليلة الجمعة، وكذلك الرعد والبرق [...] وقاتل أهل بولاق جهدهم ورموا بأنفسهم في النيران حتى غلب الفرنسيس عليهم وحصروهم من كل جهة". في خضم تلك الأحداث تستمر مفاوضات الصُلح فنجد عثمان بك الأشقر وعثمان بك البرديسي: " يذهبون ويجيئون من الفرنسيس الى المسلمين ومن الفرنسيس إليهم ويسعون في الصلح بين الفريقين".

فلما دخل الفرنسيون بولاق فعلوا بأهلها الأفاعيل: " وقتلوا منهم بالحرق والقتل وبُلوا بالنهب والسلب[...] وفعلوا بأهلها ما يشيب من هوله النواصي، وصارت القتلى مطروحة في الطرقات والأزقة واحترقت الأبنية والدور والقصور وخصوصاً البيوت والرباع المطلة على البحر، وكذلك الأطارف، وهرب كثير من الناس عندما أيقنوا بالغلبة فنجوا بأنفسهم الى الجهة القبلية [...] ثم أحاطوا بالبلد ومنعوا من يخرج منها واستولوا على الخانات والوكائل والحواصل والودائع والبضائع وملكوا الدور وما بها من الأمتعة والأموال والنساء والخوندات( تُرادف كلمة هوانم وهم نساء علية القوم كما يقال) والصبيان والبنات ومخازن الغلال والسكر والكتان والقطن والأبازير(التوابل) والأرز والأدهان والأصناف العطرية[...] والذي وجدوه منعكفاً في داره أو طبقته ولم يقاتل ولم يجدوا عنده سلاحاً نهبوا متاعه وعروه من ثيابه ومضوا وتركوه حياً، وأصبح من بقي من ضعفاء أهل بولاق وأهلها وأعيانها الذين لم يقاتلوا فقراء لا يملكون ما يستر عوراتهم".

ثم بدأ يظهر المستور والمستخبي فمحمد الطويل –يبدو انه كان من اعيان بولاق- كان يُراسل الفرنسيين لكي يُعطوه الأمان وفي نفس الوقت يتظاهر أمام "الثوار" أنه واحد منه ويقاتل معهم فلما هجم الفرنسيون انضم لهم، وكذلك قد اختفي الحاج مصطفي البشتيلي حين دخولهم لكن الناس دلت على مكانه وقبضوا على وكيله وبقية "الزعماء"، ثم حبسوا البشتيلي في القلعة اما الباقي فحبسوهم حيث يسكن كليبر: " وضيقوا عليهم حتى منعوهم البول، وفي اليوم الثالث أطلقوهم وجمعوا عصبة البشتيلي من العامة وسلموهم البشتيلي". ثم أمروا جماعة البشتيلي التي كانت "تُقاتل" معه: "أن يطوفوا به البلد ثم يقتلوه " على أساس أنّ البشتيلي هو السبب فيما حدث وأنه هو الذي كان: " يُحرك الفتنة ويمنعهم الصلح"، بل وصلت به الجُرأة في أن يصف كليبر بالكلب حيث بعث رسالة مع رجل إلي عثمان كتخدا كتب فيها: "إن الكلب دعانا للصلح فأبينا منه" فوقعت تلك الرسالة -ومن الممكن ان تكون الرسالة "وصلت" وليس "وقعت" كما يقول لنا الجبرتي- في يد كليبر الأمر الذي دفعه-وقلبه يعتصر ألماً- ليقتحم بولاق ويفعل فيها ما فعل. فتُطيع "عُصبة" البشتيلي الأمر -بكل بساطة-: " وقتلوه بالنبابيت". ولا يشفع "لأهل بولاق" هذا فيُفرض عليهم “غرامة" ضخمة.

الوضع في بقية القاهرة أصبح لا يُطاق وتمني الناس زوال العثمانيين عنهم بسبب ايذائهم و: "وخطفهم ما يجدونه معهم، حتى تمنوا زوالهم ورجوع الفرنسيس على حالتهم التي كانوا عليها". ومع مرور الوقت يتقدم الفرنسيون ويتراجع المسلمين حتى دخل الفرنسيون: " من ناحية باب الحديد وناحية كوم أبي الريش وقنطرة الحاجب وتلك النواحي، وهم يحرقون بالفتائل والنيران الموقدة ويملكون المتاريس الى أن وصلوا من ناحية قنطرة الحاجب وناحية باب الحديد الى قرب باب الشعرية. وكان شاهين آغا هناك عند المتاريس فأصابته جراحه، فقام من مكانه ورجع القهقري، فعند رجوعه وقعت الهزيمة ورجع الناس يدوسون بعضهم البعض."

وأخيراً ينجح البرديسي والأشقر في "عقد اتفاق" مع الفرنسيين: " على كف الحرب، وأن الفرنساوية يمهلون العثمانية والأمراء ثلاثة أيام حتى يقضوا أشغالهم ويذهبون حيث أتوا، وجعلوا الخليج (مجري مائي كان يشق القاهرة ليحمل ماء النيل إليها) حداً بين الفريقين لا يتعدى أحد من الفريقين بر الخليج الآخر وأبطلوا الحرب وأخمدوا النيران وتركوا القتال". حيث ستبدأ الترتيبات لخروج العثمانيين والامراء و "الزعامات" ففي 26 ابريل 1800م: " خرج العثمانية وعساكرهم وابراهيم بك وأمراؤه ومماليكه والألفي وأجناده ومعهم السيد عمر مكرم النقيب والسيد أحمد المحروقي الشاه بندر وكثيرون من أهل مصر، ركباناً ومشاة. الى الصالحية". ليُسدل الستار علي: " تعسة المسلمين وخيبة أمل الذاهبين والمتخلفين، وما استفاد الناس من هذه العمارة وما جرى من الغارة إلا الخراب والسخام والهباب". السخام والهباب صديقان مخلصان للمصريين و "ثوارهم" على مرّ العصور.
         
ثم من جديد يذهب الشيوخ والأعيان "بربطة المعلم" لكليبر مُطأطئ الرؤوس فيُطمئنهم كليبر ويُعطيهم ورقة مكتوب فيها: " النُصرة لله الذي يريد أن المنصور يعمل بالشفقة والرحمة مع الناس، وبناء على ذلك ساري عسكر العام يريد أن ينعم بالعفو العام والخاص على أهل مصر وعلى أهل بر مصر، ولو كانوا يخالطون العثملي في الحروب. وأنهم يشتغلون بمعايشهم وصنائعهم، ثم نبه عليهم بحضورهم الى قبة النصر بكرة تاريخه". أصيل يا جان وقلبك كبير.

لكن "العواطف" ليس لها مكان في "الشغل" لذلك بعد ان يحتفل كليبر وجنوده وقبطه وشيوخه وأعيانه ومسؤولية "بانتصاره "، ذلك الاحتفال الذي سيُشاهده الناس من وضع الوقوف حيث حين دخولهم من باب النصر ستأمر جماعة من الجنود الفرنسيين: " الناس بالقيام وبعض فرنساوية راكبين خيلاً وبأيديهم سيوف مسلولة ينهرون الناس ويأمرونهم بالوقوف على أقدامهم، ومن تباطأ في القيام أهانوه، فاستمرت الناس وقوفاً من ابتداء سير الموكب الى انتهائه". يتحضر الشيوخ يوم الجمعة 5 مايو 1800م وكلاً يُمنّي نفسه بأنه سيفعل معهم "أحلي واجب" فهو قد أكرم الشيخ خليل البكري وأعطاه: " بيت عثمان كاشف كتخدا الحج، وهو بيت البارودي الثاني، فسكن به وشرع في تنظيمه وفرشه، ولبسوه في ذلك اليوم فروة سمور", وكذلك ذهب كليبر لخضرة الشريفة: " بجزيرة الذهب باستدعاء، فمد لهم أسمطة عظيمة وانبسط معهم وافتخر افتخاراً زائداً وأهدى الى بعضهم هدايا جليلة وتقادم عظيمة. وأعطاه ما كان أرسله درويش باشا معونة للباشا والأمراء من الأغنام وغيرها، وكانت نحو الأربعة آلاف رأس وولوه إمارة الصعيد من جرجا الى أسنا", فما بالك ماذا سيصنع معنا نحن "الشيوخ العظام" و "القامات العلمية الشامخة" و "ملح الأرض" و "ورثة الأنبياء" فيذهبوا "من النجمة": " الى بيت ساري عسكر ولبسوا أفخر ثيابهم وأحسن هيآتهم، وطمع كل واحد منهم وظن أن ساري عسكر يقله في هذا اليوم أجل المناصب، أو ربما حصل التغيير والتبديل في أهل الديوان، فيكون في الديوان الخصوصي". لكن كليبر يتركهم "ملطعوين" فترة طويلة في "الهول" الخارجي ولا يُكلمهم أحد. ثم بعد ذلك يُفتح لهم الباب فيدخلوا مُسرعين لكن لخيبة أملهم يتم "لطعهم" للمرة الثانية فترة آخري. لكن واضح ان كليبر أخذ "كورس" في كيفية مُعاملة المجرمين وكيف تُحطم أعصابهم حتى حينما يحين استجواب المُجرم "يقر على طول" بجريمته بلا مقاومة أو مُراوغة.

ثم اخيراً يخرج كليبر لهم مصحوباً بالمترجم وبعض قادته فيُوضع له كُرسي في مُنتصف الغرفة ويقف: " الوجاقلية (قادة الفرق العسكرية) والحكام من ناحية، وأعيان النصارى والتجار من ناحية، وعثمان بك الأشقر والبرديسي أيضاً حاضران" ويرطن بكلام كثير الذي يُترجمه المترجم واختصاره أنه يريد منكم: " عشرة آلاف ألف" بالتمام والكمال لا "ينقصوا مليم" لكن ممكن يزيدوا ليس هذا وفقط لكن سنأخذ منكم 15 واحد "رهينة" إلى أن تُسددوا المبلغ كاملاً: " انظروا من يكون فيكم رهينة عندنا حتى تغلقوا ذلك المبلغ، وقام من فوره ودخل مع أصحابه الى داخل وأغلق بينه وبينهم الباب ". المبلغ تقريبا نصفه سيدفعه السادات وجزء علي الشيخ الصاوي وآخر علي الشيخ محمد الجوهري وأخيه أما ما تبقي فيوزع "فردة" على "العامة": "فبُهت الجماعة وامتقعت وجوههم ونظروا الى بعضهم البعض وتحيرت أفكارهم [...] وتمنى كل منهم أنه لم يكن شيئاً مذكوراً، ولم يزالوا على ذلك الحال الى قريب العصر حتى بال أكثرهم في ثيابه وبعضهم شرشر (أي طرطر) من شباك المكان". ويقف حرس على الباب يمنعهم من الخروج.  فلا يجدون إلا "نصارى القبط": "يقعون في عرضهم، فالذي انحشر فيهم ولم يكن معدوداً من الرؤساء أخرجوه بحجة أو سبب وبعضهم ترك مداسه وخرج حافياً وما صدق بخلاص نفسه". فعلاً "عظيمة يا مصر بولادك اللي بتطرطر من الشبابيك".
لو كان الكلب الأجرب يُشبه الأسد الهصور... لكان الأولي أن يُشبه "السيسي" الجواد الحرون

ولا ينجو من هذه "المبولة" إلا خليل البكري والشيخ محمد المهدي فالبكري معروف فهو عرص ديوث والمهدي يقول عنه الجبرتي أنه: "كان يستعمل المداهنة وينافق الطرفين بصناعته وعادته".  ويتشاور النصارى والمهدي على "توزيعه" المبلغ على أهل البلد فيقسموها على أهل الحرف والصناعات ولن ينجو من الدفع حتى: "الحواة والقردتيه". ثم يعهد كليبر للمعلم يعقوب بالتصرف كيفما شاء مع المُسلمين ويُعينه نائباً له: " والخازندار لرد الجوابات وقبض ما يتحصل وتدبير الأمور والرهونات" و تبدأ رحلة الشيوخ لجمع "الغرامة" و سيكون السادات أيقونة تلك الرحلة فيذهب لبيته يحوطه  عشرة من العساكر ويجلسوا في انتظاره علي الباب : "  فلما مضت حصة من الليل حضر إليه مقدار عشرة من العسكر أيضاً فأركبوه وطلعوا به الى القلعة وحبسوه" فيُرسل السادات الى عثمان بك البرديسي يطلب وساطته: " فشفع فيه فقالوا له: أما القتل فلا نقتله لشفاعتك وأما المال فلابد من دفعه ولابد من حبسه وعقوبته حتى يدفعه". وبما أنه لم يدفع فتستمر "البهدلة" التي لن تتوقف عند الحبس فقط بل ستشمل الضرب أيضاً فيطلب مُقابلة كلا من: " زين الفقار كتخدا فطلع إليه هو وبرطلمان" ليقول لهما أن يتركوه يذهب لداره ليبيع ما يملك لكي يُسدد الغرامة فيُنزلوه:" الى داره فأحضر ما وجده من الدراهم فكانت تسعة آلاف ريال معاملة. عنها ستة آلاف ريال فرانسة، ثم قوموا ما وجدوه من المصاغ والفضيات والفراوي والملابس وغير ذلك بأبخس الثمن، فبلغ ذلك خمسة عشر ألف فرانسة[...] وبعد أن فرغوا من الموجودات جاسوا خلال الدار يفتشون ويحفرون الأرض على الخبايا حتى فتحوا الكنيفات (المراحيض) ونزلوا فيها فلم يجدوا شيئاً". واستمرت الرحلة فكان يُضرب خمسة عشر عصا في الصباح ومثلها في الليل بل وأحضروا تابع له لكي "يقر" على مكان زوجة السادات وابنه فعذبوه: " حتى عاين الموت حتى عرفهم بمكانهما، فأحضروهما وأودعوا ابنه عند أغات الإنكشارية وحبسوا زوجته معه، فكانوا يضربونه بحضرتها وهي تبكي وتصيح وذلك زيادة في الإنكاء" حتى "تشفّع" المشايخ في نقلها من عنده فنقلوها، "وبقي الشيخ على حاله وأخذوا مقدمه وفراشه وحبسوهما وتغيب أكثر أتباعه واختفوا". يا تري كان اتباعه يُجهزوا لثورة جديدة كالثورة القديمة أم أن كل واحد منهم ذهب يعمل في "البلاد الأجنبية" ليستطيعوا أن يجمعوا أكبر قدر من المال ليدفعوه ليُخرجوا شيخهم لا نعرف فلم يُخبرنا الجبرتي عنهم شيئاً.

وفي 29 مايو 1800م أحضروا السادات إلي القلعة بعد أن أرسل "لكبار القبط" للتوسط في أمره فردوا عليه بأنه: " لابد من تشهيل قدر نصف الباقي أولاً" ومنعوه الاجتماع بالناس لما تكرر استعانته "بوسيط". وفي النهاية في 19 يوليو 1800م –بعد مقتل كليبر- أفرجوا عنه بعدما أتم دفع ما عليه وصادروا مُمتلكاته: " وشرطوا عليه عدم الاجتماع بالناس وأن لا يركب بدون إذن منهم ويقتصد في أمور معاشه ويقلل أتباعه".

وبدأت الوساطات والشفاعات والكوسات تتدخل لتُرفع الغرامة عن الشيوخ وتُضيفها على "الفردة العامة" وهي الغرامة التي سيتم تحصيلها من "أبناء البلد" والتي كان يتولى تحصيلها المعلم يعقوب حنا فكتبوا قائمة بمن عليه الدفع: " فنهبوا على الناس بذلك وبثوا الأعوان بطلب الناس وحبسهم وضربهم، فدهى الناس بهذه النازلة التي لم يصابوا بمثلها ولا ما يقاربها. ومضى عيد النحر ولم يلتفت إليه أحد بل ولم يشعروا به ونزل بهم من البلاء والذل ما لا يوصف[...] وفرغت الدراهم من عند الناس واحتاج كل الى القرض فلم يجد الدائن من يدينه لشغل كل فرد بشأنه ومصيبته، فلزمهم بيع المتاع فلم يوجد من يشتري، وإذا أعطوهم ذلك لا يقبلونه، فضاق خناق الناس وتمنوا الموت فلم يجدوه. وفي كل وقت وحين يشتد الطلب وتنبث المعينون والعسكر في طلب الناس، وهجم الدور وجرجرة الناس حتى النساء من أكابر وأصاغر وبهدلتهم وحبسهم وضربهم، والذي لم يجدوه لكونه فر وهرب يقبضون على قريبه أو حريمه أو ينهبون داره، فإن لم يجدوا شيئاً ردوا غرامته على أبناء جنسه وأهل حرفته". بل حتى سيهرب الناس للأرياف و الأقاليم هروباً من الدفع- لكن هيهات- مع كليبر كُله لازم يدفع "اللي بيتكلم يدفع و اللي بيسمع يدفع".

حتي بعد أن يُقتل كليبر الكافر-كما سنري- و يجئ "الحاكم المُسلم" عبدالله جاك مينو سيستمر الوضع علي ما هو عليه بلا أي تغيير فتُفرض: " فردة أخرى وقدرها أربعة ملايين [...] وكان الناس ما صدقوا قرب تمام الفردة الأولى بعدما قاسوا من الشدائد ما لا يوصف ومات أكثرهم في الحبوس وتحت العقوبة وهرب الكثير منهم وخرجوا على وجوههم الى البلاد ثم دهوا بهذه الداهية "

وبعد الفرنسيين جاء دور النصاري في الانتقام فيقول الجبرتي: " وتطاولت النصارى من القبط والنصارى الشوام على المسلمين بالسب والضرب، ونالوا منهم أغراضهم وأظهروا حقدهم، ولم يبقوا للصلح مكاناً، وصرحوا بانقضاء ملة المسلمين وأيام الموحدين [...] وقرروا على النواحي غلالاً وشعيراً وفولاً وتبناً، وزادوا خيلاً وجمالا ً[...] وكل ذلك بإرشاد القبطة وطوائف البلاد، لأنهم هم الذين تقلدوا المناصب الجليلة وتقاسموا الأقاليم والتزموا لهم بجمع الأموال، ونزل كل كبير منهم الى إقليم وأقام بسرة الإقليم مثل الأمير والعساكر الفرنساوية، وهو في أبهة عظيمة وصحبته الكتبة والصيارف والأتباع والأجناد من الغز البطالة وغيرهم والخيام والخدم والفراشون والطباخون والحجاب [...] ويرسل الى ولايات الإقليم من جهته المتسوفين من القبط أيضاً بمنزلة الكشاف [...] فينزلون على البلاد والقرى ويطلبون المال والكلف الشاقة بالعسف، ويؤجلونهم بالساعات، فإن مضت ولم يوفوهم المطلوب حل بهم ما حل من الحرق والنهب والسلب والسبي، وخصوصاً إذا فر مشايخ البلدة من خوفهم وعدم قدرتهم، وإلا قبضوا عليهم وضربوهم بالمقارع والكسارات على مفاصلهم وركبهم، وسحبوهم معهم في الحبال وأذاقوهم أنواع النكال، وخاف من بقي فصانعوهم وأتباعهم بالبراطيل (الرشوة) والرشوات وانضم إليهم الأسافل من القبط والأراذل من المنافقين، وتقربوا إليهم بما يستميلون قلوبهم به وما يستجلبونه لهم من المنافع والمظالم، وأجهدوا أنفسهم في التشفي من بعضهم وما يوجب الحقد والتحاسد الكامن في قلوبهم، الى غير ذلك ما يتعذر ضبطه".

بل وفي29 مايو 1800م سيتم تشكيل "كتيبة من القبط" حيث سيطلب الفرنسيون: " عسكراً من القبط فجمعوا منهم طائفة وزيوهم بزيهم وقيدوا بهم من يعلمهم كيفية حربهم ويدربهم على ذلك وأرسلوا الى الصعيد فجمعوا من شبانهم نحو الألفين وأحضروهم الى مصر وأضافوهم الى العسكر". لكن لكل عادل وظالم نهاية ففي 14 يونيو 1800م وبينما كليبر يتنزه مع كبير المهندسين بروتاين: " بداخل البستان الذي بداره بالأوزبكية فدخل عليه شخص حلبي وقصده فأشار إليه بالرجوع وقال له ما فيش وكررها فلم يرجع وأوهمه أن له حاجة وهو مضطر في قضائها فلما دنا منه مد إليه يده اليسار كأنه يريد تقبيل يده فمد إليه الآخر يده فقبض عليه وضربه بخنجر كان أعده في يده اليمنى أربع ضربات متوالية فشق بطنه وسقط الى الأرض". فيصرخ بروتاين فيضربه سُليمان هو أيضاً ويهرب: " فسمع العسكر الذين خارج الباب صرخة المهندس فدخلوا مسرعين فوجدوا كلهبر مطروحاً وبه بعض الرمق ولم يجدوا القاتل فانزعجوا وضربوا طبلهم وخرجوا مسرعين وجروا من كل ناحية يفتشون على القاتل واجتمع رؤساؤهم وأرسلوا العساكر الى الحصون والقلاع وظنوا أنها من فعل أهل مصر فاحتاطوا بالبلد وعمروا المدافع وحرروا القنابر وقالوا لابد من قتل أهل مصر عن آخرهم". لكن "المصريين عُمرهم ما يعملوا كده" فهم شعب "مُتحضر" يعرف كيف يُعامل "مُحتليه وسارقيه" وفعلا حينما يبحث الفرنسيون عن هذا "الغادر" يجدونه: " منزوياً في البستان المجاور لبيت ساري عسكر المعروف بغيط مصباح بجانب حائط منهدم فقبضوا عليه فوجدوه شامياً فأحضروه وسألوه عن اسمه وعمره وبلده فوجدوه حلبياً واسمه سليمان فسألوه عن محل مأواه فأخبرهم أنه يأوي ويبيت بالجامع الأزهر". الحمد لله لقد ثبتت براءة المصريين من تلك التُهمة الشنيعة لقد أراد هذا الحلبي "الأهوج" أن يُحدث "فتنة" و "وقيعة" بين الفرنسيين والشعب لكن الله سلم وانكشفت لعبته.

هُنا سيُجري الفرنسيون تحقيقا طويلا مع سُليمان الحلبي و مَنْ كان يتردد عليهم نقله الجبرتي بعد أن رأي: " كثيراً من الناس تتشوق نفسه الى الاطلاع عليها [...] ولما فيها من الاعتبار وضبط الأحكام من هؤلاء الطائفة الذين يحكمون العقل ولا يتدينون بدين وكيف وقد تجارى على كبيرهم ويعسوبهم رجل آفاقي (أي من خارج مصر) أهوج وغدره وقبضوا عليه وقرروه " ولا يُخفي الجبرتي اعجابه بطريقتهم في التحقيق والمحاكمة حيث: "لم يعجلوا بقتله وقتل من أخبر عنهم بمجرد الإقرار بعد أن عثروا عليه ووجدوا معه آلة القتل مضمخة بدم ساري عسكرهم وأميرهم بل رتبوا حكومة ومحاكمة وأحضروا القاتل وكرروا عليه السؤال والاستفهام مرة بالقول ومرة بالعقوبة ثم أحضروا من أخبر عنهم وسألوهم على انفرادهم ومجتمعين ثم نفذوا الحكومة فيهم بما اقتضاه التحكيم" هذا طبعا: "  بخلاف ما رأيناه بعد ذلك من أفعال أوباش العساكر الذين يدعون الإسلام ويزعمون أنهم مجاهدون وقتلهم الأنفس وتجاريهم على هدم البنية الإنسانية بمجرد شهواتهم الحيوانية".

سيسألون الحلبي و "المتهومين" الأسئلة التقليدية عن اسمه وسنه ومهنته ومن أين آتي وماذا يفعل هنا وهل هناك مَنْ حرضه وهل أخبر أحد بعزمه على فعلته "الشنيعة" تلك أم لا وما هي أسمائهم وما دافعك للقتل إلى آخره وحين يراوغ سيتم تعذيبه فيأمر: " ساري عسكر أنهم يضربونه حكم عوائد البلاد فحالاً انضرب لحد أنه طلب العفو ووعد أنه يقر بالصحيح فارتفع عنه الضرب وانفكت له سواعده وصار يحكي من أول وجديد".

وسيظل التحقيق يدور حول نُقطة أساسية لمعرفة هل هو عمل "إرهابي فردي" أم هو عمل مُنظم تم التخطيط والتحضير له وهل الإسلام يأمر بهذا ويُحرض عليه أم لا حتى أنهم سيحققون مع مُعلم كُتّاب تركي الأصل يبلغ من العمر 81 سنه -كان الحلبي يتعلم على يديه- يُدعي مصطفي أفندي فيسألونه: "
سُئل: هل أن القرآن يرضى بالمغازاة(الجهاد) ويأمر بقتل الكفرة؟ فجاوب ما يعرف ايش هي المغازاة التي في القرآن ينبي عنها.
سُئل:  هل يعلم مشاديده (تلاميذه) هذه الأشياء؟ فجاوب واحد اختيار مثله ما له دعوة في هذه الأشياء بل أنه يعرف أن القرآن ينبي عن المغازاة وأن كل من قتل كافراً يكسب أجراً.
سُئل:  هل علم هذا الغرض لسليمان؟ فجاوب أنه ما علمه إلا الكتابة فقط.
سُئل:  هل عنده خبر أن أمس تاريخه رجل مسلم قتل ساري عسكر الفرنساوية الذي ما هو من ملته وهو بموجب تعليم القرآن هذا الرجل فعل طيب ومقبول عند النبي محمد؟ فجاوب أن القاتل يُقتل وأما هو يظن أن شرف الفرنساوية هو من شرف الإسلام وإذا كان القرآن يقول غيره أشياء هو ما له علاقة". تماماً مثل "المصريين" الذين إلى الآن يقولون إن النصاري "مؤمنين" وإذا كان القرآن يقول شيئاً آخر فهما "مالهومش علاقة" بهذا.

والله العظيم والله العظيم هنفضل اخوات ... واذا القرآن بيقول كلام تاني فاحنا مالنيش علاقة بيه .... أقسم بالله تاني أنا ما أنا عارف أنا بقول إيه

 ويتم المواجهة بين سليمان الحلبي ومُعلمه ويُسئل: " هل شاف مصطفى أفندي مراراً كثيرة وهل بلغه عن نيته فجاوب أنه ما شافه سوى مرة واحدة لأجل أنه يسلم عليه بحيث أنه معلمه القديم وبما أنه رجل اختيار وضعيف قوى ما رأى مناسب يخبره عن ضميره."

أخيراً يبدأ الادعاء المسيو سارتلون أمام جمع القضاة بألقاء "خطبة" بلهاء عن "المناحة العامة والحزن العظيم" الذي حدث بسبب مقتل "الزعيم" والتي تمت بيد آثمة  من: " قاتل رذيل ومن يد مستأجرة من كبراء ذوي الخيانة والغيرة الخبيثة"  ولتعلم الدُنيا بأسرها أنّ: " الوزير الأعظم سلطنة العثمانية ورؤساء جنود عسكرها رذلوا أنفسهم حتى أرسلوا قتال معدوم العرض الى الجريء والأنجب كلهبر الذي لا استطاعوا بتقهيره" هذا رغم حلمنا و كرمنا و عطفنا وأن ّ سليمان الحلبي " شب (شاب) مجنون وعمره أربعة وعشرون سنة وقد كان بلا ريب متدنس بالخطايا [...] العته النسكي (يمكن المقصود التطرف الديني) هو منصوب في أعلى رأسه المضطرب من زيغانه وجهالاته بكمالة إسلامه" و أنه يعتقد أنّ الجهاد هو قتل: " وتهليك غير المؤمنين فمما أنهى وأيقن أن هذا هو الإيمان" حتي دُفع له المال ليقوم بجريمته وشركاءه في الجريمة :" كانوا مرتهنين سره للقتل الذي حصل من غفلتهم وسكوتهم قالوا باطلاً أنهم ما صدقوا سليمان هو مستعد بذا الإثم وقالوا باطلاً أيضاً أن لو كانوا صدقوا ذا المجنون كانوا في الحال شايعين خيانته لكن الأعمال شهود تزور وتنبئ أنهم قابلوا القاتل وما غيروا له نية إلا خوف مهلكتهم ومصممين تهلكة غيرهم" وأن تلك الجريمة الشنعاء يستحق مُرتكبها.: " الخوزقة وأن قبل كل شيء تحرق يد ذا الرجل الأثيم وأنه هو يموت بتعذيبه ويبقى جسده لمأكول الطيور".

ثم يصدر الحكم "بخوزقة" الحلبي بعد حرق يده التي قتل بها كليبر ويترك في العراء تتخطفه الطير وقطع رؤوس "شركائه“ علي: " أن إجراء عذابهم يصير بعودة المجتمعين لدفن السر عسكر وأمام العسكر وناس البلد لذاك الفعل موجودين فيه" وبراءة مصطفي أفندي من تلك التهمة. ثُم أجريت "جنازة عسكرية" "للشهيد كليبر" وتم تنفيد الحكم في المتهومين. كل هذا "التحقيق" لم يأخذ أكثر من 4 أيام حيث في 18 يونيو 1800م يتسلم"الرئاسة" -بدلاً من القتيل- عبدالله جاك مينو: " وهو الذي كان متولياً على رشيد من قدومهم وقد كان أظهر أنه أسلم وتسمى بعبد الله وتزوج بامرأة مسلمة وقلدوا عوضه في قائمقامية بليار فلما أصبح ثاني يوم حضر قائمقام والآغا الى الأزهر ودخلا إليه وشقا في جهاته وأروقته وزواياه بحضرة المشايخ". ولكن لندع مينو يستمتع بالشهور المتبقية له في مصر قبل أن يرحل و ُنكمل-إن شاء الله- المرة القادمة.
******************************************************************************************************
(1) بالنسبة لعمر مكرم-الذي هرب للشام عند دخول الفرنسيين القاهرة واحتمال انه فضل الهروب علي التعاون مع المحتل كما فعل بقية الشيوخ- وهو من الشخصيات التي يتغنون بها في الوطنية والإخلاص فماذا تتوقع أن تكون نوعية "الزعماء" التي تخرج من هذا الشعب؟  لابد ان تكون على نفس القدر من البلاهة والعبط. فالسيد عمر مكرم و "نقابته" الغير شريفة والتي هي جزء من السُلطة الحاكمة تماماً كالأزهر فيتم استخدامها "لتهدئة" الناس وجعلهم شعب "مُسالم" في مواجهة السُلطة "المُسلمة" التي تفعل ما تفعله تماماً "السلطة الكافرة" لكن الظلم والسرقة والنهب والقتل إذا فعلته السلطة المُسلمة-كما يري هؤلاء- فهي ليست آثام بل هي فضائل وكرامات. على كُلاً لقد قام الباشا محمد علي "مشكوراً" –كما سنري فيما بعد- "بالواجب" معهم بعد أن "بلوّنا" به ووضعوه فوق رقاب العباد.
(2) كيف يكون حُلفاء وأحذية ومُعرصي السُلطة السابقة التي تسببت في الوضع الرهان أساساً هم قادة "الثورة" حتى لو كان ضد الاحتلال!!!! هذا النوع من "الثورات" مصيره الفشل.
(3) وهو نفس الخطأ الذي وقعوا فيه في "ثورتهم الأولي". فحينما يكون عدوك يمتلك القلاع والأماكن العالية المحصنة والمُجهزة "بأحدث المدافع" ثم تنتظر أنت وتترس بحيث تُسهل مُهمته في "قصفك" ولا تتعلم من خطأك في المرة السابقة فهذا دلالة قاطعة على غبائك المُستحكِم.
(4) بدل أن يحبسوا الأمراء والكبراء الذين بلا فائدة بل وضررهم أشد وأخطر فهم مع أول مواجهة بدأوا يسوقون التبريرات والأعذار للهروب فانهم تركوهم وحبسوا الخيول التي قد تكون فائدتها أهم وأكبر منهم.
(5) كرات حديدية تستخدم كذخيرة للمدافع لها احجام وأشكال وترتيبات تختلف بحسب الهدف المراد اصابته.
(6) من ضمن المقولات العبيطة أنّ: "معدن المصريين الحقيقي لا يظهر إلا في الأزمات" والحقيقة أن أي جماعة إنسانية أو حتي حيوانية وقت "الأزمات القاهرة" تجد هناك حالة من الترابط والتوحد في مواجهتها هذا جزء من "آلية" الصراع من أجل البقاء. لكن "المعدن الحقيقي" يظهر في حالة الرخاء والوفرة في أنه هل تظل تلك الحالة من الإيثار والترابط أم تُسيطر الأنانية وحب التملك واستغلال الآخر.
(7) في هذا الوقت كانت تحوي ميناء مهم لتبادل البضائع للتجارة التي تمر عبر نهر النيل حتى لقد عني الفرنسيون بتمهيد و اصلاح القنطرة التي كانت تربطها ببقية أحياء القاهرة.
(8) الذي كان قد تم القبض عليه في 5 أغسطس 1799م من قبل الفرنسيين بعد وشاية المواطنين الشرفاء بأنه: "" يدخل بعض حواصله الذي في وكالته عدة قدور مملوءة بالبارود"
(9) بقاءه على قيد الحياة يكفي دليلاً على أن نصف "الثوار" كانوا "أمنجية" والنصف الثاني "بهايم".
(10) الحركة: وصف وسيط بين "الفتنة" و "الثورة" وهي وصف يحاول قائله الا يقع في المحذور بين أن يُدين أو يؤيد حدث ما أو يظهر أنه يُعارض السلطة القائمة كما "حركة الجيش" في 1952م ففي البداية كانت مجرد "حركة" مُحايدة ثم لما رأي "الضباط الأحرار" الضوء الأخضر من القوي التي بيدها الأمر أصبحت "ثورة".
(11) أحد قادة جنود الإنكشارية وآغا مستحفظان منصب مُهمته حفظ الأمن لمنطقة ما.
(12) في حال أنك قُهرت وغُلبت على أمرك واضطررت للتفاوض كيف تجعل من هو عميل وخائن - سواء كان أميراً أو شيخاً - يُفاوض من أجلك بالتأكيد سوف تُضيّع حتى فُرصتك في أن تحصل على اتفاق يحفظ لك "كرامتك" إن كانت لك كرامة أساساً.