الاثنين، 5 يونيو 2017

الجيش المصري و شعبه 18

الجيش المصري و شعبه 18
-البداية
(15)
"اِسْمَعُوا هَذَا أَيُّهَا الْشِيُوخُ واِصْغُوا يَا جَمِيعَ سُكْانَ المَحْروسَة: هَلْ حَدَثَ هَذَا في أَيَامِكُمْ أَوْ في أَيَامِ آَبَائِكُمْ. أَنْ يَتَآمَرَ الكَونَ عَلي بَلدِكُمْ، أَنْ يَأْكُلَ الحِقْدُ قُلوبَ أَعَدائَكُمْ فَيَحْسُدُونَكُمْ عَليَ تَخَلُفَكُمْ وَهَبَلِكُمْ. أَخْبِرُوا بَنِيكُمْ عَنْ هَذَا وَ بَنُوكُمْ بَنِيهِمْ وَ بَنُوهُمْ دَوْرَاً أَخَرْ. اِصْحُوا اَيُّهَا السُكَارَى و اِبْكُوا وَ وَلْولُوا يَا جَمِيع شَارِبي الحَشيشَ ومُتَعَاطِي الترامَادولِ عَلَى غَلاءِ الأَسْعَارِ وَضِيقِ المَعيشَةِ. إِذْ قَدْ تَأَمَرَ عَليكُمْ أَعْدَائِكُمْ الذّينَ بِلاَ عَدد كَحَبَاتِ الرِمَالِ، يُحَاولُونَ تَنْكِيدَ عِيشَتِكُمْ وَتَكْدِيرَ صَفْوَ عُبُودِيَتكُمْ. فَسَدَ الكُلُّ وَلَمْ يَعُد هُنَاكَ شَيئاً صَالحَاً. اِرجِعوا إِلي حَاكِمكُمْ الأَعْلى، قَدِسُوا صَوْمَاً، نَادُوا بِاعْتِكَافِ، اِجْمَعُوا الشّيُوخَ والمَواطِنينَ الشُرَفَاءِ مِنْكُمْ إِلى قَصْرِهِ و اِصْرُخُوا إِليهِ لَعَلُه يُشْفِقَ عَليكُمْ. آه عَلَى أَيَامِكُمْ السَودَاءِ الآتِية! آه عَلَي الخَرابِ الذّي سَيَحُلُ بَكُمْ! لأْنَّ الكَارِثَةَ آتِيَةٌ لاَ مَحَالةٌ وأَقْرَبُ مِما تَتَخَيلونَ. إِليكَ يَا حَاكِمنَا الأَعَليَ نَصْرُخُ لأَنَّ نَاراً قَدْ أَكْلتْ سَناَبِلَ القَمْحِ وأَعْوادِ الذُرَةِ و لهَيباً أَحْرَقَ جَميعَ مَخَازنِ الفَولِ ومَطاعمِ الطَعْمِيةِ، حَتى بَهائمَ الصَحَراءِ تَنظُر إليكَ فَقدْ جَفتْ جَداولَ المياهِ والنَارُ أَكلتْ مَراعِي البَريّة."
الإصحاح الثامن عشر من سفر الشئون المعنوية

في بداية التسعينات مع تصاعد "العمليات الإرهابية" ضد السُلطة بدأت الهيئة العامة المصرية للكتاب في اصدار سلسلة من الكُتب "التنويرية" التي تهدف لمحاربة "الفكر المتطرف" للقضاء عليه في "المهد". ومَنْ يا تُري أحد هؤلاء "التنويرين"؟ إنه الشيخ (رفاعة الطهطاوي (1801 - 1873)) أحد أحذية السُلطة في عصر محمد علي وبنيه، الذي أرسله هو وغيره من "الموظفين" لتلقي العلم من بلاد "النور" فرنسا. وحينما أقول أنّ (الطهطاوي) كان حذاءً للسُلطة –كغيره ممن وسموا بـ"رواد التنوير"- فليس من باب "الافتراء"، فقراءه سريعة لبعض ما كتب –وسنتعرض لبعضها حينما نأتي لتلك الفترة- لن تجد صعوبة في أن تُعطيه اللقب المُشرّف "عرص"(1)، هذا اللقب الذي حصل عليه –تقريباً- كل نُخب وشيوخ ورواد نهضة وزعماء وابطال وحُكام هذا الشعب المُعرِّص. وأياً ما كانت "اسهاماته" في حركة الترجمة أو نشر "الوعي" أو البحث عن "حرية ورفاهية" شعبه أو حُبه لـ"وطنه"، فكل هذا في مقابل "تعريصُه" لا يُساوي شيئاً. فالزمن وحده وهو الذي يُضفي هالة من القُدسية والاحترام على أمثال تلك الشخصيات وأبطالهم وحُكامهم، أما واقعاً فلا يوجد أي اختلاف أو تمايز بينهم وبين إخوانهم المُعرِّصين الذين يعيشون بيننا الآن. يقول الشيخ (الطهطاوي) في العام 1869م في "مناقب" وليّ النعم ساكن الجنان  «محمد الاسم عليّ الشان، وأنه نادرة عصره ومحيي مآثر مصره، والمقابلة بينه وبين عدة من مشاهير ملوك الأعصر القريبة (2) « ثم يبدأ بعدها (رفاعة) في وصلة تعريصية يحمرّ أمامها خجلاً الأستاذ "مصطفي بقري" أو الأستاذ "أحمد جاموسه" ولا يتخيلان –مع تمرسهما وخبرتهما الطويلة- أن يصل الانحطاط بـ"رائد" من رواد "التنوير" إلي هذا القدر، حتي أنك أنت نفسك قد تغفر لهما –أي لبقري وجاموسه- تعريصهما للزعيم المُفدّى؛ فهما بالمقارنة لما تقرأه من الطهطاوي يبدوان كتلميذين مازالا في المرحلة الابتدائية. وبعد أن يسرد "العبد" مناقب سيده يقول «وبالجملة فكان وحيد زمانه في جميع أوصافه، وفريد أوانه في عدله وإنصافه، لاسيما بعد أن صفا له الوقت عقب توليه على مصر؛ فإنه مكث قبل ذلك نحو خمس سنين وهو يقاسي ما يقاسي من الشدائد، ويعاني من أخصامه جميع أنواع المكائد، حتى عزم على رجوعه إلى وطنه الأولي بدون صلة وعائد، لكن لوفور سعده، و تعبه و كده، وسبق القدر بوصله إلى تمام عزه و مجده، صرف النظر عن العودة، ونال من واهب العطايا ما هيأه له من تبوئ بحبوحة الملك، وأعده، ولا شك أنه عرف داء مصر وعلاجها في أثناء هذه المدة، ولابد أيضا أنه كان نوى لها تحسين الحال والمال إن بلغه الله الآمال وأمده، ولا يخفى أن من قصد الاستيلاء علي مملكة لا يخلو عن أحد آمرين: اما آن يكون كالصياد يقتنص مصيده بكل مكيدة، أو كالملتقط لليتيم المفارق أبويه لينقذه من التهلكة، ويجعله وليده، فالأمر الثاني هو الممدوح، وهو مقصد حميد لأولي الفضائل من أصحاب الفتوح، فإنه مقصد سنيّ، ومطلب هنيّ؛ فاستقامة الأمور لهذا الأمير الكبير، وما حصل له في الاستيلاء علي مصر من التسخير والتيسير، يدل علي حسن النية وصفاء الطوية.»
ما هذا النور الذي يشعُّ من وجهيهما؟ أيكون هذا هو "التنوير" الذي يُخبروننا عنه؟ لكن إذا كان هذا هو التنوير فماذا يكون التعرُيص إذاً؟


  ولا ينسي رفاعة بأن يؤيد أقواله بالأحاديث والآيات، فالأعمال بالنيات و ساكن الجنان حبيب الرحمن كانت نيته "زي اللبن الحليب" ونحن –معشر المُعرِّصين- نقول بأن الحاج (محمد علي) كانت نيته إصلاح حال البلد «وتربية أهلها، وتهذيب أخلاقهم، وإسعادهم، وتنعيم بالهم، وتحسين أحوالهم برفع الظلم عنهم، كما يقضي به حسن الظن في حق المرحوم محمد علي، وكما هو الواقع، فهو مثاب قطعا، ولو داخل قصده منفعة دنيوية مما لا يفارق الملوك من حب المحمدة في غالب الأحيان، ولو لم يكن من أفعاله الخيرية إلا تخليص الحرمين الشريفين والأقطار الحجازية من عبد الله بن سعود شيخ الوهابية لكفاه؛ فإن ابن سعود المذكور أتعب الحجاج بقطع الطرقات، وأزعج عباد الله تعالى، فغزاه جند محمد علي جنتمكان (ساكن الجنان)، وهزمه بعد حروب طويلة، وأرسله إلى الأستانة، فأمرت الدولة العلية بضرب عنقه ليكون عبرة للناظرين.» ولا تعرف لماذا ما فعله (محمد علي) "خير" وما فعله ابن سعود "شر"؟ رغم أن الإثنين شقوا "عصا الطاعة" عن خليفتيهما. ويبدو أن الطهطاوي قد شعر بما قد يجول في عقل قارئه فحاول الهروب من هذا المأزق فيقول "مُستهبلاً" «وجولات جنوده في الشام وغير الشام مفهومة، ولم تكن تلك من محض العبث ولا من ذميم تعدي الحدود؛ إذ كان جل مقصوده تنبيه أعضاء ملة عظيمة تحسبهم أيقاظ وهم رقود، والدليل على حسن النية أن هذه الحسنة التي على صورة الجنية أنتجت أصل وراثة مصر، التي ترتب عليها رفع الإصر.» فينتابك الذهول وتقف عاجزاً أمام هبل وعبط وتهافت منطق هؤلاء "المستنيرين". لكنه لا يكتفي بهذا بل يذهب إلى مقارنة الحاج محمد بالإسكندر الأكبر ويري أنه لولا بقاء "ولاء" محمد علي لـ «الدولة العلية، ومراعاة حفظ الحالة الراهنة على ما هي عليه من الراجحية والمرجوحية، لجال في الفتوحات الخارجة مجال إسكندر الأكبر، وحسن حالة التمدن، وجدّ في جادة العمران، وفعل ما فعله إسكندر؛ حيث اتحدا في البلد، فكان لا مانع أن يتحدا في المظهر.» ثم لا ينسي أن "يُتحفنا" بشعر قد كتبه في الحاج وابنه لكي يُرينا كم هو عرصاً أريب؛ وأنه مُتمكن من أدواته نثراً وشعراً ونقلاً من كتاب وسُنّة أيضاً.

 ونكتفي من "هرتلة" الشيخ عند هذا الحد إلى أن يأتي وقته، فالمهم هنا أن الهيئة العامة للكتاب في مُحاربتها "للتطرف" في تلك الفترة قد نشرت كتاب (الطهطاوي) "تخليص الإبريز في تلخيص باريز". وبغض النظر عن محتوي الكتاب "التنويري"، وتحيرك في كيف لمثل هذا "التنوير" أن يُغير شعب لا يقرأ أصلاً. إلا أن ما كُتب على ظهر الكتاب هو ما يلفت الانتباه، فبعد رُبع قرن مازالت السُلطة تجتر نفس الكلمات البلهاء –والتي يبدو أنها لا تعرف غيرها- فنقرأ التالي: «بلغت مؤامرات التطرف والارهاب في مصر معدلات غير مسبوقة خلال السنة الأخيرة. ولم تعد هذه الظاهرة مجرد تهديد للدولة والنظام الحاكم، بل أصبحت تهدد المجتمع المصري كله، سواء في بنيته الداخلية أو في اقتصاده أو أمنه الاجتماعي والسياسي ومكتسباته الثقافية والفكرية، وكذلك انجازاته الاقتصادية والمادية. ولا تقل الحرب التي يشنها المتطرفون والارهابيون ضراوة عن أي حرب خاضتها مصر مع أعدائها الخارجيين في هذا القرن. بل ربما كانت هذه الحرب أشد ضراوة، لأن أحد أطرافها هم أبناء لنا، أعماهم التطرف فاختاروا العنف سبيلاً لفرض إرادتهم وزعزعة استقرار الوطن واستهدف عنفهم أبناء لنا في أجهزة الأمن، أو أخوة لنا من المدنيين المسالمين العزل، مسلمين وأقباطا. ان ما تمر به مصر الآن هو مأساة إنسانية وثقافية وحضارية، وكارثة اقتصادية وسياسية ولذلك أصبح من الضروري أن ينتفض المثقفون المصريون، ومؤسسات مجتمعهم المدني، للوقوف في وجه التطرف والإرهاب لمحاصرتهما واحتوائهما، تمهيداً لاقتلاعهما تماما.»

لكن يبدو أن تلك "الأسطوانة" التي تُكررها السُلطة بلا انقطاع -مع تهافتها وهبلها الواضح- لها مفعول السحر بين المصريين، حيث تجد المصري مُباشرة حين سماع أن الوطن في خطر "تفر الدمعة من عينيه"، بدل أن يلعن "الوطن" وحُكامه. إنّ السُلطة في مصر ناجحة -لابد من الاعتراف بذلك-  بشكل مُبهر في "صناعة العته". إنها مُدركة تماماً لـ"عقلية" المصريين، وتعرف طبيعتهم سواء رأي البعض أنّ تلك الطبيعة "عبقرية" أم "عبيطة". ونظرة سريعة على إعلامها تجعلك تُدرك هذا النجاح –في صناعة العته- وأن الشعب المصري لكي يخرج مما هو فيه أمامه قرون طويلة؛ لا ليتقدم و"يتحرر" بل فقط ليُدرك كم هو مُتخلف عبيط. وعلى أيه حال سواء انتقدنا "هبل" السُلطة أو مدح البعض "دهائها" -هذا الدهاء الذي يستند بالأساس علي عبط المصريين- فـإن "التنوير" الذي تقوده قد جاء بالفائدة. فتحولت الجماعة الإسلامية التي كانت المحرك الرئيسي لتلك العمليات من جماعة إسلامية إلى "جماعة عصومة للبناء واللامؤخذة التنمية".

 ولو انتقلنا من "تنويري" مؤيد للسُلطة وذهبنا إلى "تنويري" مُعارض لها، الذي قد يخدعك في البداية بُظرفه و"سلاطة" لسانه وفي بعض الأحيان "سفالته"، إلا أنّه –كمعظم المصريين- يظهر فيه التناقض الصارخ مع كثير من "العتاهه" التي هي القاعدة التي ترتكز عليها الشخصية المصرية كما ألمحنا لذلك سابقاً. هذا "التنويري" هو (يعقوب صنّوع (1839-1912)) أو الشيخ أبو نظارة أو جيمس سانووا (يعقوب بالإنجليزية هو جيمس) وهو يهودي مصري اشتهر في عصر إسماعيل بتقديمه للمسرحيات الهزلية التي أُعجب بها الباشا، لكن (يعقوب) تمادي في "ظُرفه" وبدأ ينقد الباشا نفسه فغضب عليه وتم نفيه لفرنسا حيث استمر في مهاجمة الخديوي. وبعد عزل إسماعيل هاجم ابنه توفيق الذي كان دائما ما يشير إليه بـ"الواد الأهبل" وأبوه الحرامي الذي نهب الملايين من المصريين وذهب لأوروبا ليسكر ويتمتع بما نهبه وترك البلاد "خرابه علي الحديده"، بل ويتجاسر (صنّوع) في أن يقول عن الواد الأهبل في أن أبوه الحرامي قد جاء به إلي الدُنيا من أمه "الجارية" «لما لاحت عينه علي أمه من غير لا مواخذه في كنيف (3)، آدي سبب غرام الواد الأهبل في العطور والروائح المليحة, أمله يطرد بها رائحة الكنيف القبيحة، انما المنتّن بعيد عنك طول عمره منتّن، وعطر الروائح، لا يطهر الذميم من القبائح. وغير ذلك توفيق ماهوش فقط أهبل إلاّ وكمان خسيس وغبي وأشد شراً من ابليس.» (4)
 
الشيخ أبو نظارة. أبو خليل عصره وأوانه.


لكن على الرغم من تلك اللهجة القاسية في مواجهة رموز السُلطة إلا أنك حينما تقرأ ما يقوله لكيفية الخروج والفكاك مما هم فيه لا تملك إلا أن تضحك، فبالإضافة لدعوته "للصبر" –الذي لا يملك المصريون غيره- «قال الشيخ ابو نظارة: يا أهل مصر الكرام أوجز اليكم الكلام فإن الكلام إذا قل وأفاد كان ذلك خير المراد. فجل ما تبتغونه لا يتجاوز معناه عبارة وجيزة في معرض السؤال. هل ينجلي الإنكليز عن مصر؟ - الجواب. الصبر مفتاح الفرج. فإنّ الباب العالي أوعز إلي رستم باشا سفيره بلندن ان يسأل اللورد سالصبري عن مقصد الإنكليز بمصر. فرد المركيز الجواب علي السفير العثماني بقوله ان الحكومة الإنكليزية تنتظر جواب من السار ولف مندوبها بمصر ليُفيدها عن أحوال البلاد. وبناء على تلك الإفادة تعرض بريطانية على الباب العالي بعض مسائل في شأن الديار المصرية وسياسة الإنكليز فيها. فقد تجلدتم الصبر أربع سنين. ولا يعسر عليكم الصبر اسبوعين. فمن خاض البحور هانت عليه السواحل. وإن شاء الله نزودكم بالأخبار في صحيفتنا المقبلة.»

ثم يري (يعقوب) بعد أن لم يعد فائدة من "الصبر" أن "القوة" هي الحل الوحيد، فنجد مديح وتهليل وتعظيم "للمهدي" السوداني الذي كان (صنّوع) يفرح لانتصاراته على الإنجليز والتي –وهذا جزء من العته- يُساعدها الجيش المصري أو ما تبقي منه والذي سُمي "بالجيش العُرابي" الذي تم ابادته على أيدي المهدي وأتباعه. لكن كانت المشكلة الرئيسية هي قوة مَنْ؟ هل القوة هذه من المصريين أنفسهم، لكن هذا أمر مشكوك فيه؟ أم قوة خارجية كفرنسا مثلاً التي "يُغرد" منها "الشيخ أبو نظارة"، والتي يري أنها لا تُريد لمصر "إلا الخير" وأن تكون "مصر للمصريين"، وهي حاملة مصباح الهُدي والتي نقلت مصر في عهد (محمد علي) من الظُلمة إلي النور، بدون أن يكون لها مصلحة في ذلك، اللهم فقط "الحب الأعمى" لجميع الإنسانية والله مُطلع على ذلك وشاهد. والدليل إنه حتى الناس في الجزائر "مبسوطة" باحتلال فرنسا لها لعدلها وقسطها، فهم ليسوا كالإنجليز "المتوحشين الأشرار".  فرنسا التي ستُصبح قبلة "الحركة الوطنية المصرية" للترويج لما سُمي حينها بـ"المسألة المصرية" والتي كانت تُقارب ما يُسمي الآن بـ"القضية الفلسطينية" فمؤتمرات تُعقد وزعماء يخطبون؛ ثم في النهاية لا يتغير شيء إلا أن يزداد "الزعماء" شُهرة وغني و يظل المصريون يهتفون" الجلاء أو الموت" فلا يحصلون إلا علي ما يستحقونه: الموت. ولنقرأ هذا الحوار بين مجدع وحدق –شخصيتان من اختراع أبو نظارة- في العام 1886م:
 « مجدع : ارحب يا أخ.
الحدق : بلا أرحب بلا مرحب.
مجدع : الخبر ايه؟ كفي الله الشر الحُمر (يقصد الإنجليز) آهم بيعزّلوا.
الحدق : بيعزّلوا من السودان رغم عن أنفهم، اما من مصر .... استني يا حمار لما ينبت النوّار.
مجدع : اهم بيقولوا كده يا آخ.
الحدق: كلام فارغ، تيقن يا مجدع بان الحُمر مايخرجوش من مصر إلاّ بالمتلوف. فهمت؟ والمتلوف ده ما نعرفش طريقة فين.
مجدع : بقي رائحين نفضل كدا طول عمرنا تحت ناف (نير وقيود) الإنكليز؟
الحدق : شوف يا مجدع. طالما ابن مصر بليد وجبان وقليل المروة والنخوة والنشاط لا يرتفع رق العبودية من على عنقه.
مجدع : الكلام ده ايه يا حدق انت بتكسر مقاديفنا ليه يا عم؟ ما شفتش ليلة امبارح الجدعان مجموعين في محفل الجندي السرّي؟ دول يا افندم القوا علينا خطب تهزّ الجبل الجيوشي.
الحدق : حضرتُ المحفل السرّي ورأيتك هناك وسمعت المقالات الرنانه اللي جعلت الحضرين تتحسبن في خديوينا الظالم وفي اسياده اللي خربونا، أمّا الفائدة ايه؟ اهو كلام في الهوا وجمعياتنا السرّية الوطنية عوضما تاخد في الزياده كما كان الأمل نراها كلمالها في النقصان.
مجدع : الله يقطع الرُتب والترقيات اللي بواسطتها حكومتنا المكاره الغراره بتاخد لنا اجل شبابنا وأفخر رجالنا.
الحدق : يا اخي احمد ربك ان الجماعة اللي بيتركونا وبيروحوا للحكومة ما بيخونوناش مثل غيرهم.
مجدع : ده من خوفهم من القصاص والحدق يفهم انما دعنا منهم وقول لي العمل ايه؟ بقي ما فيش تدبير؟
الحدق : تعال لي وجبلي معك عشرين جدع اصحاب حزم وعزم زيّك وأنا بعون المولي ادلكم .......فهمت؟
مجدع : طيب وأنا اجبلك العشرين جدع من بيت ابوي؟ رائح أدوّر عليهم فين؟ والاقيهم فين؟ دول صبحوا اليوم كُلّك بيخافوا من خيالهم.
الحدق : فإن كان الأمر كذلك اهل مصر تموت اسراء.
مجدع : بلا اسراء بلا مُسرا انت لاخر. اهم السودانية بارك الله فيهم بيتقدموا ومثلما طردوا الحُمر جبراً من بلادهم ربنا يقدرهم يطردهم من بلادنا.
الحدق : يا للعار! بقي السود اللي كانوا عبيدنا امبارح وكنا بنبيع فيهم ونشتري على كيفنا يصبحوا اليوم هم أسيادنا ومُخلصينا؟ أنا والله والنبي محمد عندي الموت أهون لأهل مصر من خلاصهم علي يد السودانيين.
مجدع : واللهِ إن الحق بيدك يا حدق. طيب بقي مافيش أمل في الخلاص؟
الحدق : الشجاع لا يقطع الرجاء وانا عشمي كله اليوم في جهاديتنا الوطنية اللي رائحه تسد مسد الحُمر في حدود السودان.
مجدع : فهمتك يا حدق. طيب ورائك ايه في رواحي هناك انا وأصحابنا الأربعة اللي فطروا عند الباشا يوم الخميس اللي فات.
الحدق : اذا عرفت تقنعهم وتاخدهم معك وتنجر تبقي صحيح مجدع وأنا أعطيك مكاتيب توصيه وربنا يجعل الخلاص علي يدك. ربنا كريم فرجه قريب.»

ولتغض الطرف عنما في كلامه من "عُنصرية" فهذا كان شيء "طبيعي" في تلك الفترة. ولنركز في قوله "الجهادية الوطنية" التي يُقصد بها "الجيش الوطني"، وهو مصطلح قريب من المُصطلح الذي يستخدمه البعض الآن وهو "شُرفاء الجيش" –تلك الكائنات الفضائية التي ستهبط قريباً من السماء- الذي لم يكن له أي قيمة في تلك الفترة. لكن كان هناك الأمل بأن يرجع "الحامي" –وهو لقب أُطلق علي أحمد عُرابي- المُغفّل، وهذا اللقب هو أقل ما كان يجب أن يُطلق عليه فعلاً، شيخ العرب وسليل الأشراف. ونري أيضاً في تلك الفترة في كلمات صنّوع و "الحامي المغفّل" أنه حدث افتئات على "الشرعية" وأنّ الخديوي توفيق -بغض النظر عن هبله- ليس هو الحاكم الشرعي فالحاكم الشرعي هو (د. مرسي)، عفوا لا! هذا الآن أما في حينها فكان عم إسماعيل، البرنس "حليم" (محمد عبد الحليم بن ساكن الجنان) المنهوب حقه والمستولي على منصبه والذي "لو عاد" لعرشه، ستتوقف فوراً كُل العمليات التي تحدث في سيناء، أقصد سترجع مصر لتقود العالم ويعيش الفلاحون في رغد ورفاهية حتى أنّ البهائم –أي بهائم الفلاحين وليس الفلاحين البهائم- سيكون لهم خدم خصوصي وجواري فاتنات.
البرنس حليم قُرة عين أبو أم المصريين.

تستمر "المعارضة في الخارج" في هذيانها (4) مع استمرار الاخبار –سنة وراء سنة- بأن الإنجليز علي "وشك" الانهيار، وأنها صارت منبوذة من "المجتمع الدولي" و "الفرج قريب"،  رغم أن الأوضاع لا تتغير، فنجد بعد 25 عام من الاحتلال الإنجليزي، وموت الواد الأهبل وبدء "التعريص" لأبنه الخديوي عباس حلمي الثاني -وكأن المشكلة كانت مع شخص توفيق وليس مع السُلطة بُرمّتها- مازال هناك الأمل في أنه لو "ضغطنا شوية كمان" على إنجلترا فسوف تُغادر مصر فوراً، وأننا يجب أن نُبين "لإخواننا" الأوربيين –وخصوصاً فرنسا الحبيبة- "الانتهاكات" التي تقوم بها إنجلترا ضد الشعب المصري "المُسالم" الأعزل. لكن هذا يتم "بالسلمية" فيجب ألا نعطي الفرصة لإنجلترا لكي تُظهر للعالم اننا "متوحشون همج" «أي نعم صار للإنكليز في بلادنا يا كرام. خمسة وعشرين سنة تمام. وهم يأمروا ويحكموا ويُظفوا ويعزلوا. وما ينصفوا ولا يعدلوا. وترانا يا رب العالمين. للمقدر ممتثلين. ونسلي بعضنا بصوت خفي ونقول، الله يرحم ويعتقنا من جور المستر بول. انما بنشوف السنين بتجري يا سادة. والبلاوي الحمراء يومي في الزيادة، ففرغ صبر ابناء النيل. خصوصاً لما رأوا كل صعلوك أحمر أصبح باشا والباشا الوطني أصبح ذليل. بقي يا ملوك ويا رؤساء الدول الغربية، إلزِموا المحتلين ينجلوا عن أقطارنا النيلية. وإلا يجننا اليأس ويسلب عقولنا. ومن يعرف ايش يعملوا ابطالنا وفحولنا. لأن أولاد مصر والسودان اليوم فيهم جبابرة وجدعان. الكلام ده اللي باقوله لك يا حضرة القاري. ده كله في المسامرات الوطنية بمصرنا جاري. وورد لي أمس في الموضع ده مكتوبين من اخواني القدم ابو الشكر وأبو العينين. وإنهم من اليوم ورايح مايقبلوش مني نصايح. لأن سكوتهم على ظلم الإنكليشمان يخلي الناس يقولوا عليهم دول جبانا.»

قد تتصور –ولا أعلم كيف لك أن تتصور هذا- أن هؤلاء "الشُجعان" قد عرفوا الطريق، وكل واحد منهم سيحضر بندقيته وسيفه، ليقاتل الإنجليز في الطُرقات، وتقوم مصر كلها فلا تُبقي منهم عسكري أو مدني، لكن يعقوب يقول لنا أنهم سيرتدون السواد –كالنسوان- في الذكري السنوية للاحتلال الإنجليزي ويقومون "بمظاهرة" أمام مقر المندوب السامي البريطاني ثم من هناك يذهبون "للقرافة" «يزوروا قبور الشهداء المصريين. اللي يا حسرة توفوا بمصر والسودان، وهم بيدافعوا كالأسود عن الأوطان. ورايحين يسوقوا قدامهم جملين. محملين عيش وبلح يرموهم للفقراء رجلين. والرجال والنساء والأطفال يغنوا ويقولوا وهم ماشيين وراء الجمال. لموا عزالكم لموا يا انكليز. وانجلوا عن وطننا العزيز. مصر لنا كذلك السودان. وادي النيل ماهوش للأنكليشمان.» ولما وصلت يعقوب تلك الأخبار "الخطيرة" قرر على الفور أن يُبعد هذا "الجنان" من رؤوس الفحول الشجعان، فالوضع خطير فكتب لهم مُباشرة «عليكم يا اخواني بالهدو والسكون لأن أقل حركة وأصغر مُظاهرة، ياخدها عمنا غرست (المندوب السامي البريطاني) حجة لزيادة جنوده في إسكندرية والقاهرة.» والحمد لله إن "الفحول" قد رجعت عن جنانها وإلّا كان الإنجليز زوّدوا عدد قواتهم وبدل ما يخرجوا بعد أكثر من 50 سنة من تلك المظاهرة المزعومة، كان من الممكن أنهم مازالوا يحتلون "القنال".
 مازال هذا "الكاريكاتير" من جريدة أبو نظارة صالح لليوم مع بعض التعديل: محمد علي –ساكن الجحيم- ينظر من الدرك الأسفل في النار ذُل أهل مصر وفقرهم ويقول: "في الجحيم ... هنا أفضل جداً"

وينقل لنا يعقوب "جملتين" من أحد المقالات التي أعجبته تحت عنوان "آفة مصر أهلها" «وهذا ليس بغريب على أمة بلا همّة وأشباح بلا أرواح ونفوس جموحة إلى الفساد طموحة إلى التقليد لا تلوي علي فضيلة ولا تميل إلي كمال ديني أو سياسي أدبي. ليس هذا عجيب على أهل هم آفة بلادهم وقوم هو عار أمتهم لا يُحسون بالآلام وهم منابعها ولا يشعرون بالتمرمر والتململ وهم أسبابها. متي تصير مصر في حاضرها كما كانت في غابرها فتنصرف الأشجان وتذهب الأحزان. فلا يكون المصريون آفة بلادهم وموضع شقائها وعلتها ودالين الأعداء على مقاتلها مغمضين عن مواطن الداء منها ...... ومهما كثرت آراء الناس وتشعبت ظنونهم واضطربت عقولهم وأقوالهم فلا يستطيع أحد أن يعتذر عن أهل مصر بعذر مقبول في خمود عزيمتهم ونومها عن الفضائل وتوفزها للرذائل على غير هُدي ولغير مصلحة وإلي أسوء مصير. فلا يستغرب القارئ لو حكمنا بأن آفة مصر أهلها.» هذا ما أعجب يعقوب في المقالة وكأنه يُريد أن يقول لـ"جمهوره" ومتابعيه "مفيش فايدة".

ويبدو أنّ "مفيش فايدة" هي التي ستنتصر في النهاية؛ وسنجد أنفسنا مع الوقت نهتف يائسين أيضاً و"مفيش أمل". فالتاريخ –مع بعض الاستثناءات- تجده مع كُل صفحة يُخرج لنا لسانه في محاولتنا للهروب من بؤس الواقع. لكن قبل أن يتملكنا اليأس، فلنحتفظ بما تبقي لدينا من أمل، وندع المعلم (نقولا) يُكمل روايته.

توقفنا المرة السابقة حين حصار نابليون لعكا وبدأ القصف على أسوارها، وأنّ (الجزار) كاد أن يُخلي المدينة لولا الأدميرال الإنجليزي (سيدني سميث) الذي طمئنه وأخبره أنه قد استولي من الفرنسيين على ثلاثة مراكب تحوي ذخيرة «ومدافع قوية فشجع فؤادك على محاربتهم، لأنني قد اضعفت قوتهم «. فيقول (نقولا) أنّ (نابليون) لم يستطع نقل المدافع الكبار عبر البر «فأمر ان يوسقوهم في ثلثة مراكب ويرسلوها من دمياط. وحينما خرجت المراكب المذكورة اصطادتها مراكب الإنكليز، وكان سر عسكر الانكليز المسمى سند سميت لم يزل يطوف في مراكبه على البواغيظ (الموانئ) ليمنع الامداد على الفرنساوية. «وكما قُلنا أن يقظة (سميث) كانت العامل الحاسم في فشل مُخطط (نابليون). ومن الطريف أن (سيدني سميث) كان قد وقع أسيراً في أيد الفرنسيين عام 1796م؛ أي قبل مجيء الحملة الفرنسية بعامين. فقد اوقعه حظه العاثر أثناء محاولته السيطرة على إحدى المراكب الفرنسية في ميناء (آفر دو جراس) شمالي فرنسا في إطار الحرب التي كانت مُعلنة للقضاء على الثورة الفرنسية وبعد أن استطاع السيطرة على المركب بالفعل جرف التيار المركب فوجد نفسه مُحاصراً هو وبعض أتباعه من قبل الفرنسيين فحاول المقاومة لكنه لم يجد بُداً من الاستسلام، ووقع أسيراً. وكان (سميث) معروفاً لدي الفرنسيين فهو الذي أحرق السُفن الفرنسية في ميناء تولون في الجنوب الفرنسي. وحاول الإنجليز مبادلته بأحد الأسري الفرنسيين لكن كانت الأوامر أن يتم نقله لباريس للبت في شأنه. فقضي (سميث) في السجن ما يُقارب السنتين دون أن يعرف مصيره واجه خلالها مخاطر كادت تودي بحياته؛ فقرر الهروب بمساعدة بعض الفرنسيين "الملكيين" منهم ضابط مدفعية فرنسي اسمه (أنطوان دو فيليبو) -الذي سيصاحبه في حصار عكا حيث يموت هناك- وكان من بين الضباط الذين يعملون مع إنجلترا ضمن ما سُمي" بجيش المُهاجرين" والذين يعملون علي عودة الملك للعرش.

 خطة الهروب بدأت بتزوير أوراق تقول بأن (سميث) يجب أن يُنقل لسجن آخر، وباستخدام الرشاوي وبعض التوفيق ينجح الضُباط المزيفون في استخلاص (سيدني) وتهريبه إلى الساحل الشمالي حيث يُبحر–بعد طريق طويل وخطر- ليصل إنجلترا في مايو 1798 فيترأس السفينة المحاربة –التي أسرها الإنجليز أيضاً من الفرنسيين قبلها بسنوات- وهي (لو تيجر) تُساعدها السفينة المُحاربة (ثيسوس) بقيادة الكابتن (رالف ميللر). ويتم ارساله إلى اسطنبول كـ"وزير مُفوّض" بعد دخول الفرنسيون مصر لتوقيع اتفاقية "تعاون مُشترك" بين البلدين حيث يُسند للبحرية البريطانية مهمة قطع خط امدادات الفرنسيين عبر حصار الإسكندرية ومساعدة الجزار باشا في الهجوم البري المُرتقب لهزيمة فرنسا لتعود مصر إلي حُضن الباب العالي (6). وكانت إنجلترا حريصة على عدم انهيار الإمبراطورية العثمانية، فوجود إمبراطورية "متهالكة" أفضل بكثير ويُحقق مصالحها من سقوط تلك الإمبراطورية – إلا أن تكون هي من يُحدد الوقت والطريقة- مما يُعرض مصالحها للخطر ويصعب التنبؤ بعواقب واخطار ما بعد السقوط.

ونجد في رسالة سيدني سميث للأدميرال (جون جيرفيس (1823-1735)) قائد الأسطول البريطاني في البحر المتوسط تفاصيل الاستعدادات لتحصين عكا ونجاحه في اصطياد وقطع طريق البحر لإمدادات الجيش الفرنسي. حيث يقول إنه كان يُساعد الجزار في اعداد المدينة للدفاع ضد هجوم الفرنسيين الكولونيل (دو فيليبو) الذي ذكرناه سابقاً. وأنه تم اكتشاف طليعة الجيش الفرنسي تحت سفح جبل الكرمل والتي لم تتوقع ان تجد أي قوات بحرية من أي نوع في شواطئ سوريا. فتم مهاجمتها من قبل القوارب المرافقة لسفينة (لو تيجر) مما اضطر تلك القوات أن تغير طريقها، وقد أدرك (سميث) حين بادل الفرنسيين النيران باستخدام البنادق فقط انهم لا يصطحبون معهم المدافع؛ والتي بالتالي من المتوقع أن تصل عن طريق البحر، فاتخذ الإجراءات لكي يتم اصطياد تلك المدافع التي تم تحصين عكا بها مع امداد المدينة بمستلزمات الإعاشة لتكون قادرة على مواجهة الحصار، لكن نابليون أمر –بعد فقدان المدافع الاتية عبر البحر- بإحضار المدافع الموجودة بيافا.


ويقول (نقولا) أنه أثناء وجود الفرنسيون أمام أسوار عكا «اجتمع من الشام عساكر الاسلام، من مغاربة وهوارا وعربان، والغز الذين حضروا مع ابراهيم بيك، إلى أن بلغ جمعهم ثلثين ألف مُقاتل ما بين را كب وراجل. وخرجت هذه العساكر العديدة بقوة شديدة، ووصلت الي مرج ابن عامر.» الذين يحاولون مهاجمة مؤخرة الجيش الفرنسي. تلك القوات كانت تحت قيادة باشا دمشق وابنه وانضم لهم شيخ نابلس (يوسف الجرار) وكان (نابليون) قد أرسل لـ (كليبر) يطلب منه أن يُراسل (الجرار) بأن لا يتدخل في هذا الصراع «اكتب إلى (جرار) وقُل له أنه مُخطئ بأن يتدخل في صراع لن يؤدي إلا إلى خسارته. كيف له، وهو لديه الكثير ضد رجل متوحش كـ (الجزار)، أن يُعرض حياة وممتلكات فلاحييه للخطر من أجل رجل لا يهتم لأحد؟ في خلال بضعة أيام ستسقط عكا، وسيُعاقب (الجزار) على كل جرائمه. وحينها سيندم لكن بعد فوات الأوان، بأنه لم يتصرف بمزيد من الحكمة والسياسة.» (7)

 ويُخبرنا نابليون أنّ الجنرال "يونو" كان يُرابط في الناصرة كقوة استطلاع فعلم بتحركات جيش باشا دمشق عبد الله العظم حيث عبر نهر الأردن والذي كان جيشه مُقسم لقسمين قسم بقيادة ابنه الذي وصل عبر جسر يعقوب أو بنات يعقوب وسيطر عليه وبعث بجزء من جيشه لصفد شمال القدس في محاولة للسيطرة على قلعتها. فتحرك الجنرال "مورا" بجنوده واستطاع أن يهزم تلك القوات ويرفع الحصار عن صفد ثم هاجم جسر يعقوب وسيطر عليه وانتقل إلى معسكر ابن الباشا حيث تم هزيمته ووقع الكثير من قواته أسري. أما الجنرال يونو فانطلق لمقابلة القسم الثاني من الجيش الذي يقوده الباشا حيث التقي الجمعان واستطاع الجنرال رغم قلة عدد جنوده ان يوقف تقدم تلك القوات. ويذكر نابليون هذا الإنتصار "الساحق" في رسالته للجنرال (مارمون)، وهو أحد المُقربين لنابليون والذي سيغادر معه لفرنسا بعد عودتهم من الشام وكان في هذا الوقت الحاكم العسكري للإسكندرية بدلاً من كليبر، «الجنرال يونو كُلل بالمجد في 19 ابريل في موقعة الناصرة، معه 300 جندي من وحدة المشاة الثانية الخفيفة استطاع ان يهزم 4000 من الفرسان وأخذ 5 رايات وقتل أو جرح ما يُقارب 600 رجل. إن ما فعله واحده من روائع الحرب.» هنا أمر نابليون الجنرال (كليبر) بالتحرك لمساندة (يونو) فتحرك بفرقته المكونة من 2500 جندي وتوجه لهضبة لوبيا حيث كانت طلائع جيش الباشا المكونة من 7000 جندي، واستطاع كليبر أن يُشتتها، لكنه خاف من أن يتم محاصرته وقطع طريق عودته لعكا فانسحب راجعا للناصرة. فعادت قوات الباشا لتسيطر على الهضبة، وانطلق بما تبقي من قواته وعسكر في مرج بن عامر شمال نابلس الذي تُحيطه جبالها. فقرر كليبر أن يقطع خط إمدادات جيش الباشا القادم عبر نهر الأردن، وأرسل يُخبر نابليون بذلك؛ لكنه لم يكن يعلم انه أصبح هناك خط إمدادات جديد لجيش الباشا عبر نابلس، فيتم كشف تحركات كليبر ومحاصرته. (8)
تحركات نابليون وجنرالاته.

 وعندما شاهدت اهالي الناصرة "الشُرفاء" «كثرة جيوش الشام، وان الفرنساويين قليلين جداً، فبادروا حالاً وأخبروا أمير الجيوش، فاحضر حالاً الجنرال تركو (لوترك) وامره بتحضير ثالثة الاف صلدات. ومن بعد ساعة واحدة مجهز العسكر المذكور، واخذوا معهم اربعة مدافع. وامر الجنرال بونابارته أن يسيروا على وادي عبلين. ومن بعد مسيرهم بثلاث ساعات، ركب امير الجيوش وسار وراءهم طالباً إثرهم. وفي نصف الليل وصل بالعساكر الي بير البدوية، وأرسل الي بلدة قريبة منهم اسمها سافورا، وطلب ما احتاجه من الذخيرة تلك الليلة. وعند الصباح سار بالعسكر الي ان نفذ الي مرج ابن عامر، وصعد الي تل عالي فكشف ارض المرج. ونظر الجنرال كليبر في وسط البيداء، وعساكر الاسلام محتاطة به، والهجمة من كل ناحية، وليس لهم عليه استطاعة.» فبعد أن تم كشف كليبر في محاولته لقطع خط الإمدادات عبر نهر الأردن أفل راجعا حيث وصل عند سفح جبل طابور والتي كانت تُسيطر عليه قوات الباشا فأصبح مُحاصراً تماماً. وأصبح وضعه في منتهي الخطورة مع التفوق العددي للقوات المهاجمة فقرر أن يُجازف بأن يُحاول فتح ثغرة ينفذ منها في محاولة للهروب من الحصار. في تلك الأثناء كان (نابليون) يتسلل متخفياً خلف الخطوط بين الأحراش وأعواد القمح، التي كانت تملأ المرج في هذا الوقت، ثم في اللحظة الحاسمة تبدأ ما سُمي بمعركة "جبل طابور" فتنطلق ضربات المدافع التي تُثير الذُعر بين النابلسية والمماليك. ويبدأ هجوم نابليون علي مُعسكرهم فتحل الفوضى التامة في صفوف الجنود ويُقتل منهم الكثير «وصاروا يتراكضون في الجبال وكانت الفرنساوية يضحكون عليهم. وعندما انقطع أثرهم اتي أمير الجيوش الى عند الجنرال كليبر وتصافحا مع بعضها بعضي، وتعانقا وفرحا بانهزام الاعداء.» وكما يقول المثل المصري "العدد في الليمون" جيوش "جرارة" لكنها –للأسف- بلا أي عقول.

 بعد ان يُصدر نابليون أوامره لمعاقبة "المتمردين" حيث يقول (نقولا) أنه «أرسل خمسماية صلدات الى قرية جنينين وأمرهم ان ينهبوها ويحرقوها، ففعلوا كما امرهم. ثم ان امير الجيوش احرق تلك القرايا التي في جبل نابلوس، لأنهم ما طلبوا منه الامان. ثم رجع الى الناصرة.» ومنها يرجع (نابليون) بسرعه لعكا، فالوضع كاد أن يخرج عن السيطرة –لولا كفاءة نابليون- فالقوات الفرنسية المتبقية المُحاصرة لعكا كانت اقل بكثير من قوات الجزار التي بداخل المدينة الذي لو استغل الفرصة لأوقع نابليون في "شر اعماله". ففي رسالة آخري من (سيدني سميث) إلى (جون جيرفيس) يخبره بآخر التطورات حيث نري الوضع داخل المدينة إلى أن يقول «آسف لأني لم أجد أي من الإجراءات التي تم الاتفاق عليها بيني وبين الباشا (الجزار) للدفاع عن المدينة قد تم تنفيذها، على الرغم من أنّ الكولونيل (فيليبو)، وهو ضابط ومهندس كفؤ والذي تركته للأشراف على تنفيذها، كان لا يكل في محاولة بيان أهميتها.» الأمر الذي نتج عن هذا أن استطاع الفرنسيون احداث ثغرة في أحد الأبراج، لكن استطاع جُند الجزار أن يُحبطوا دخول الفرنسيين من خلالها. وكان كُل ما يشغل الجزار –كما يقول سميث- هو الحفاظ على استقلاله عن الباب العالي «لقد حرضته بقوة على أن يُخرج قواته لمُلاقه الفرنسيين وبدأ يسمع لمقترحاتي؛ ويبدو ان أكثر ما أثر فيه من أي شيء آخر هو ما ألقيته على مسامعه بأنه لو تمكن العدو من دخول المدينة فأنني يجب أن أهدمها على رؤوسهم للدفاع عن نفسي (...) بالإضافة لذلك، فالجزار حتى اللحظة همه الرئيسي هو أن يُحافظ على استقلاله عن الباب العالي. فمدافعة الثقيلة كلها موجهة للبحر بدون أن يكون هناك أية احتمالية لهجوم بري.»

يواصل المعلم روايته ويقول إن القصف على عكا لم يتوقف لا ليل ولا نهار وأن الفرنسيين قد «أهلكوا من العساكر الاسلامية والانكليزية خلقاً لا يحصي، لما كانوا يخرجون إلى مُحاربتهم. وقد هدموا ابراج وأسوار عكا من ضرب الدافع والقنابر وهيجان العسكر. ولما نظر الجزار هدم البروج والاسوار، فبدا يقيم حيطانها من الازقة والشوارع، وخرق البيوت والمنازل الي بعضها بعض وجعل لها منافذ خوفا من هجوم الفرنساوية، لما شاهد من جسارتهم القوية.» ويخبرنا عن مقتل الجنرال (كافاريللي) "أبو خشبة" «المهندس الكبير والعالم الخبير والشهم الشهير» فقد تم قطع يده بعد إصابته في كتفه من إحدى المقذوفات، لكنه رغم هذا ظل يقوم ويتابع مهامه فتدهورت حالته ومات، أمّا الجنرال (بون) فحاول أن يتسلق ويدخل عبر فتحة بالأسوار فأصابته صخرة برأسه أودت بحياته. ويأسي (سميث) على الشجاعة التي أبداها الفرنسيون لفقدان تلك الأرواح بدون فائدة «لا شيء إلا اليأس هو الذي يدفعهم للقيام بتلك المحاولات التي يقومون بها للعبور عبر الفتحة في السور والتي لا يمكن العبور من خلالها إلا باستخدام السلالم تحت نيران المدافع التي نصبها عليهم صباً. وإنّه لمن المستحيل ألا تشعر بالحزن وأنت تري تلك الأرواح، حتى لو كانوا أعدائك، يتم التضحية بهم بتلك الطريقة، وأن يتم اساءة استخدام هذا القدر الكبير من الشجاعة.»

بعد أن أدرك نابليون أنه لم تعد هناك فائدة وأنّ الوقت قد طال وبلغ به اليأس مبلغه قرر ان يهجم "الهجوم الأخير" فتجتاح قواته الخندق المحيط بالمدينة وتصعد لأحد فتحات أسوارها ويستمر تدفق تلك القوات بالرغم من المقاومة الشرسة من عسكر الجزار والقذائف التي بلا عدد من سفينتي (لو تيجر) و (ثيسوس) والخسائر الفادحة التي مني بها الفرنسيون؛ إلا أن نابليون يأمر بمواصلة الاقتحام ويستطيع فعلا بعض هذا القوات الدخول «ودخلوا الي الجامع. وكانت ساعة من ساعات القيامة وحرباً لم يكن فيه سلامة، ويوم غريب الاحوال شديد الاهوال عظيم الوبال، تشيب من هوله الاطفال، وترتعب من ذكره صناديد الرجال. وتبادرت العساكر الذين في المدينة، والمراكب التي في الميناء، بالحراقة والنيران، بالزيت والقطران، وجادوا بالكلل والرصاص والقنابر والقواص، وبالضجيج العظم والصراخ الذميم. وارتدت الفرنساوية بكمية عن ذلك الشر والنكد، بعدما كانوا دخلوا البلد المحمية، وخطفوا طاسات النحاس الاصفر في سبيل الجامع المشتهر. وخرجوا من المدينة كاسبين، وبقي منهم في الجامع ماية وعشرين.» الذين سيظلون يُقاومون إلى أن تنفذ ذخيرتهم فيخاطبهم سيدني سميث بانه لم تعد هناك فائدة، "والمكان كُله مُحاصر" وأنهم ما أرسلوكم إلى الشرق إلا ليتخلصوا منكم «ونحن نضمن لكم الوصول بالسلام والامان الي ارضكم والاوطان. ولما سمعوا ذلك الكلام سلموا له»

 وأخيراً يُسدل الستار عن حملة نابليون على الشام، فبعد أكثر من شهرين من المعارك والحصار والقتلى والمرضي، رأي أن الجنود بدأت في التذمر، ومات من جنوده «ثلاثة الاف وخمسماية صلدات على اسوار عكا. ومات في الطاعون وعلى الطرقات ما ينيف عن ألف صلدات.» هذا بالإضافة لأسباب آخري أوردها نقولا منها انتهاء تحضيرات جيش الصدر الأعظم القادم براً، وقرب وصول الأسطول العثماني الذي تٌساعده البحرية لبريطانية للهجوم بحراً. وقد رأينا هذه الأسباب في رواية الجبرتي، فيأمر نابليون قواته في 16 مايو 1799م برفع الحصار عن عكا والبدء بالانسحاب حيث سيأخذون الطريق الساحلي بعيداً عن المناطق الجبلية الوعرة، وستبدأ حملات النهب والحرق للقري التي ستقابلهم. لكن ستقابل نابليون مُشكلة الجرحى والمرضي المطعونين من جنوده، ما الذي سيفعل بهم؟ هؤلاء قد يؤخروا عملية الانسحاب بشكل يجعل الجيش كُله في خطر. فيُخبرنا أحد ضباط الحملة ما هو مصير هؤلاء «عدد كبير منهم وقع في أيدي الإنجليز، والبعض كما يٌقال سُمّم بناءً على أوامر نابليون. بالنسبة لي لم أكن شاهداً على تنفيذ هذا الأمر البشع. لكن ما أعرفه هو أن كثير من المرضي حين علمهم بما ينتظرهم هربوا من المستشفى ووصلوا سباحة للسُفن الإنجليزية.» (9) لكن رواية هذا الضابط يمكن التشكيك بها إذا كيف أنهم "مرضي" واستطاعوا السباحة لمسافة قد تطول او تقصر حسب بُعد تلك السُفن عن الشاطئ. فيبدو –إن صحّ ما يقول- انهم لم يكون "مرضي" أو على الأقل لم يكن مرضهم يمنعهم من مواصلة السير مع الجيش المنسحب. ومن ثم فمن غير المُحتمل أن نابليون أراد أن يقتل المرضي هكذا فقط من أجل التسلية. لكن هذا "الاتهام" لنابليون "بتسميم" جنوده المرضي قد جاء أساساً من عدوها اللدود إنجلترا، فالسير (روبرت ويلسون (1777م-1839م)) -عسكري وسياسي بريطاني- هو أول من اتهم (نابليون)، من ضمن اتهامات آخري من ضمنها القيام بمذبحة الأسري المسلمين بيافا، بإعطاء الأوامر بقتل جنوده المرضي. وإن كان (نابليون) يعترف بقتله الأسري المسلمين ويري أنّ ما فعله "مُبرّر" بل هو "حق" لا خلاف عليه في الحروب كما نقلنا سابقاً. لكنه يُنكر هذا الاتهام تماماً ويعتبره جزء من حملة "التشوية" التي أطلقها عليه أعداؤه. ويقول (نابليون) أنهم حين وصولهم يافا تم اتخاذ الإجراءات إخلاء الجزء الأكبر من المرضي والجرحى وإرجاعهم لمصر؛ جزء منهم عن طريق البحر وصولاً لدمياط والجزء الآخر براً. (10)

لكن أخبره الأطباء أن هناك بعض الجنود حالتهم خطرة ومن المستحيل نقلهم في مثل تلك الحالة. فما كان منه إلا أن امر بعمل "لجنة طبية" لتقييم الوضع وإعطاء تقرير نهائي عن تلك الحالات. كان تقرير تلك اللجنة ان هناك ما بين 7 و8 رجال في حالة خطيرة جداً ومن المستحيل نجاتهم وأنّ بينهم وبين الموت من 24 لـ 36 ساعة، بالإضافة إلى أن هؤلاء مرضي بالطاعون والذي سينشرونه بين الجنود الذي يختلطون بهم. وقد طلب عدد من هؤلاء المرضي أن يتم قتله تخليصاً من آلامه وعذاباته. وأخبر الدكتور (دومينيك لاري) –كبير جراحي الحملة- (نابليون) أنّ هؤلاء المرضي وإن كان ينتظرهم الموت خلال ساعات إلا أنهم من الممكن خلال تلك الساعات وبعد تركهم ومغادرة الجيش الفرنسي أن يقعوا في أيدي الأتراك ويتعرضون لأنواع التعذيب الوحشية –كما يقول- التي أعتاد أن يفعلها هؤلاء "البرابرة"، وبالتالي فمن "الرحمة" أن يتم تنفيذ رغبتهم في أن يموتوا "موتاً رحيماً". لكن هنا اعترض الدكتور (رينيه ديجنيت) –كبير الأطباء والمسئول الطبي للحملة- وقال إن مهنته هي علاج المرضي لا قتلهم. فيقدم دكتور (لاري) "حل وسط" هو ان يترك نابليون حامية تظل مع المرضي إلي أن يلفظوا أنفاسهم الأخير ثم ينسحبون بدورهم. فأمر نابليون بأن يبقي 400 إلى 500 فارس مع المرضي لحمايتهم حتى موتهم. ويختم نابليون بقوله «ولقد علمت منذ ذلك الحين أن (سيدني سميث) قد وجد واحد أو اثنين من هؤلاء المرضي ما زالا على قيد الحياة حين دخوله المدينة. هذه هي الحقيقة عن هذا الموضوع. وإني متأكد أن (ويلسون) نفسه يعلم أنه مخطئ حين كتب تقريره. (فـسيدني سميث) لم يقم بأي ادعاء مثل هذا.» ويقول نابليون انّ هذه "التهمة" السبب فيها الدكتور (ديجنيت) فهو على شجاعته إلا أنه "ثرثار" ونتيجة لهذا فمن يسمعه ولا يعرف حقيقة الأمر غالباً ما سيفهمه خطأ أو سينقل ما يقوله بشكل خاطئ. (11)

 واصل الجيش الفرنسي انسحابه حتى وصلت طلائعه كما يروي (نقولا) إلى العادلية «بالقرب من مدينة بلبيس، وأرسل أخبر القيمقام الجنرال دوكا بقدومه، فخرج المشار اليه مع شيخ البلد وساير الجنرالية، والعساكر و علاء البلد و الحكام والاعيان و ارباب الديوان والاوجاقات، و اقبلوا عليه و هنوه بقدومه.» ويخبرهم نابليون أنه لم يكن "نائما على ودانه" وأنه يعرف أن شائعة موته قد اسعدت "المُفسدين"، لكن ها أنا أمامكم "بشحمي ولحمي" «وقولوا للمفسدين أن لا يتأملوا بهذا الامل. فإن بونابرته قد جاء سالماً غانماً باذن المالك العزيز، ولم يمت حتى يدوس جميع المماليك. فأجابوه: لا باس علي امير الجيوش. لقد كذب كل من قال ذلك أطال الله لنا بقائك، ولا شمت بك اعداء لك، وجعلنا من الدنيا فداك.» ثم كالعادة سيبدأ نابليون بعد استقراره في البدء باستخدام "لسان المشايخ" ونرجع مرة آخري "للقرف والملل" لذلك ولكي نسترد أنفاسنا ويأخذ الشيوخ ريقهم؛ لنُكمل –إن شاء الله- المرة القادمة.

******************************************************************************************************
(1) انظر تعريفي لكلمة عرص هنا: البحث عن الجين المفقود 1
(2) من كتاب: مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية، لرفاعة الطهطاوي.
(3) الكنيف هو المرحاض أو دورة المياه أو الكابينيه ولو كنت تعيش في صحراء فهو "الخلاء".
(4) جريدة أبو نظارة العدد الرابع باريس 24 ابريل 1886م.
(5) لا يمل (يعقوب) في مدح نفسه وجريدته التي تُتَرجم وينقل عنها كُبريات الصُحف الأوربية كما يقول، وأن "التسريبات" التي ينشرها من "مصادر مُقربة" تؤرق "الواد الأهبل" في نومه.
(6) Life And Correspondence Of Admiral Sir William Sidney Smith, By John Barrow, Vol I. 1848
(7) Correspondance Inédite Officielle Et Confidentielle De Napoléon Bonaparte, Egypte.
(8) Guerre d'Orient. Campagne d'Égypte Et De Syrie. 1798- 1799. Mémoires Pour Servir À L'histoire De Napoléon, Dictés Par Lui-Même A Saint-Hélère, Et Publiés Par Le Général Bertrand, 1848.
(9) Journal D'un Officier De L'armée d'Égypte, Le Capitaine Vertray, Par H. Galli, 1883.
(10) وهذا ما يؤكده دكتور (لاري) وإن لم يذكر ما هو مصير المرضي الذين تركوهم خلفهم:
Relation Historique Et Chirurgicale De L'expédition De L'armée D'orient, En Egypte Et En Syrie, Par D. J. Larrey, 1803.
(11) Complément Du Mémorial De Sainte-Hélène, Napoléon En Exil, Par Le Docteur Barry E. O'méara, 1897.

الأحد، 14 مايو 2017

الجيش المصري و شعبه 17

الجيش المصري و شعبه 17
-البداية
(14)
" يَا شَعْبِي اَلحْبِيبْ اِسْمَعُوا مَا اَقُولَهُ لَكُمْ وَلَا تَسْمَعُونَ لِغَيِري. وَإِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْرِفُونَ فَتَعَالُوا إِليّ لأُخُبِرَكُمْ. فقَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنُ بِعَيْنٍ وَسِنٌ بِسِنٍ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لَا تُقَاوِمُوا اَعْدَائِكُم، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الْأَيمنِ فَأَعْطِهِ قَفَاكَ، وَمَنْ ضَرَبَكَ عَلَى قَفَاكَ اَعِطْهِ مُؤَخِرَتَكَ. أَمَّا إِذَا تَجَرَأَ عَلَى مُؤَخِرَتِكَ فَلَيْسَ أَمَامَكَ إِلاَ الْرِضَا وَالْتَسْلِيمَ بالقَضَاءِ وَالقَدَرِ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَأَخُذَ قُوْتُكَ فَأْعْطِهِ فَوَقَهُ قُوَتَ عِيَالِكَ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَولِي عَلَى ثِيَابِ اِمْرَأتَكَ فَلْتَدَعُهُ يَأَخُذُهَا بِثِيابِها فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَنْ تَظَلَ عَارِيَةً. لَا تَسْأَلوا عَنْ مَاذَا تَأكُلُونَ أْو تَشْرَبُونَ أْو تَلْبِسُونَ؟ بَلْ اِسْأَلوا عَنْ مَاذَا كَانَ سَيَحْدُثُ لَو لَمْ آتي إِلَيْكُمْ؟ واعْلَمُوا أَنّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيّدَيْنِ، فإِمَّا أَنَا أْو تَبْاً لَكُمْ."
الإصحاح السابع عشر من سفر الشئون المعنوية


"مفيش فايدة" أو "مفيش أمل" نسمع البعض يُردد هاتين العبارتين مُعبراً عن رأيه في "طبيعة المصريين" وأنّ المصري كما كان عبر مُعظم تاريخه مثال للسلبية والخضوع والجبن؛ سيظل هكذا إلى شروق الشمس من مغربها أو حين انطباق السماء على الأرض. وإن كانت عبارة "مفيش فايدة" لا تخلو من صحة بالنظر إلى ما قرأناه في تاريخ المصريين وما زلنا نراه ماثلاً أمام أعيننا من مدي "حقارة وجبن" هذا الشعب، إلا أن عبارة "مفيش أمل" لا تُعبر إلا عن يأس قائلها. ولكي نضع حداً بين "المفشين" هناك سؤال يحتاج أن نُجيب عليه لكي نري إذا كانت "مفيش" الأولي أو الثانية هي ما يجب أن نعمل على تغييرها: هل هناك فعلاً حتمية لأن يظل هذا الشعب بتلك الصورة؟ ألا يوجد ما يمكن أن نفعله لنغير هذا "القدر" المشئوم؟


السؤال السابق قد طرحه (شارل فرانسوا ماري)، دوق هاركورت، الذي نقلنا عنه سابقاً من كتابه "مصر والمصريون" (1) والذي كان يتعجب من "البلادة" التي تُميز المصريين، والبلادة كما قُلنا هي الوصف الأنسب والأدق لما يُسمي صبر المصريين، وأن المصري لا يُقاوم أبداً –بالأيدي- السُّلطة رغم ما تفعله به وبكرامته. فيتساءل (شارل فرانسوا) إذا كان قدراً محتوماً أن يظل انحطاط مصر مُستمر هكذا عبر القرون بلا أي تغيير؟ وهل لا يوجد ما يُمكن فعله لانتشال هذا البلد التعيس مما هو فيه؟ ويُجيب فيقول «من الطبيعي أن يقودنا هذا السؤال لتناول مؤسساتها العسكرية؛ فالصفات الأكثر غياباً عن سُكانها هي صفات الشدة والصلابة والمقاومة والتي توجد عند كُل الشعوب ولكن بالأخص في الشعوب الأقل تحضراً، وتتركز تلك الصفات بشكل رئيسي في جيشها. إنه بامتلاك مصر جيش شجاع قد تستطيع أولاً أن تؤمّن استقلالها في مواجهة الأغراب الذين يريدون السيطرة عليها. الاستقلال الذي هو أول الحريات وأثمنها والذي لا تمتلكه مصر بعد. فبانتشار صفات ومزايا المحارب والمقاتل بين جموع الشعب يستطيع أن يدفع حكومته إلى احترام حقوقه وأن يحصل على حريته الشخصية والتي يبدو أنها تنازل عنها. ولا أتكلم عن حريته السياسة فهذا شيء لا يمكن حتى تخيل الفكرة ذاتها. اليوم التكلم عن مزايا المقاتل قد تبدو غريبة على عصرنا فنحن نري ثمار السلام فيما حولنا، كما أننا اعتدنا ألا نري في الحرب إلا فظائعها. لكن أياً من الشعوب استطاع أن يحصل على استقلاله بدون أن يدفع ثمنه دماً؟ إذا كنا ما نعيشه من أمن تام الآن قد أنسانا ذلك، فهذا لأن آبائنا لم يتراجعوا أمام الأخطار؛ وأننا أنفسنا مستعدين أن نفعل ما فعلوه. مَنْ يجهل أنّ الحرب لعنة وبلاء؟ لكن ما يزال من يُعرض نفسه للموت من أجل الصالح العام، ما تزال روح التضحية، والشجاعة والعزم والتصميم ما تزال كل تلك القيم قيم مجيدة ومُشرفة. فبإعداد الشباب لمواجهة الأخطار عن طريق التدريب العسكري يُنشأ ويُنمي فيهم هذا أنبل القيم والصفات.  ففي كل العصور شعرت الشعوب بالحاجة -ولو حتى من اجل رفاهيتهم المادية- لتلك الصفات النبيلة التي تتلألأ وتسطع في الحروب.» فتاريخ أي شعب ليس في الحقيقة إلا تاريخ الحروب التي خاضها، ومصر كمثال تُعطي درساً في ان غياب تلك الصفات لا يمكن تعويضها بأن تكون بلد زراعي من الدرجة الأولي أو مُتقدم اقتصادياً حتى من جهة المصلحة المادية البحتة، فالشعب المصري يفتقر تماماً لصفات المحارب والمقاتل تلك فهُم «مسالمون بالطبيعة، أعداء للمغامرة وللتحديات التي تنطوي على المُخاطرة. مرتبطون بشغف بزراعة الأرض، لا يتصورن أي شيء أجمل بعيداً عن ضفاف النيل. ومع يتعرضون له من المعاملة السيئة والبؤس الذي وصلوا إليه إلا أنهم أبداً لم يُفكروا في أن يبتعدوا عنه.» وأنه منذ عهد (سيزوستريس) –ما يُقارب من 2000 سنة قبل الميلاد- لم يخرجوا منها ليغزوا شعباً آخر، وخلال تلك القرون الطويلة لم يخرج من هذا الشعب أي "فاتح" أو حتى "قافل" أو أي مُحارب معروف في التاريخ. «ويقول المثل أنّ: "الشعوب التي بلا تاريخ هي شعوب سعيدة"، لكن تاريخ مصر يخالفه لأنه مع أنّ تاريخ المصريين خالي من أي أحداث ضخمة رغم ذلك لا يبدو أنهم كانوا أكثر سعادة؛ بل بعيداً عن هذا تماماً فلم يخرجوا أبداً من البؤس والعبودية.» ولفترة طويلة من الزمن لم يكن هناك وجود "لجنود مصريين" فكانت هذه هي "المهنة الوحيدة" التي تم اعفاءهم منها، وقد كان هذا مناسباً لطبيعتهم الكارهة لحمل السلاح، أما القوة المُسلّحة لهذا البلد فكانوا "عبيداً" يُجلبون من وراء البحار ليُشكلوا جيشه «نحن نعرف بالتأكيد أنه حين قدوم نابليون مصر لم يُجابه أي مقاومة من السُكان المحليين؛ المماليك وحدهم، وهم غرباء عن هذا البلد وكان عددهم يصل لحوالي 10,000، هم الذين واجهوا نابليون في معركة الأهرامات.»


وحينما تخلّص محمد علي من بقايا هؤلاء المماليك قرر ان يُنشئ جيشاً على "الطراز الأوربي" فجاءه "المُغامرون" من جميع البقاع يعرضون خدماتهم، منهم "ملازم" فرنسي عُرف تحت اسم "الكولونيل سيف" (2) أو (سليمان باشا الفرنساوي) والذي "ينجح" في مهمته رغم صعوبتها ويُشكل نواة جيش الباشا، ففي البداية كان الهدف هو "اصطياد" العبيد من السودان ليتم بعد ذلك تدريبهم واعدادهم ليُصبحوا "جنود" الباشا الأوفياء لكن كان مُعظم هؤلاء يموت اما في الطريق أو نتيجة للأمراض والأوبئة. الأمر الذي دعي الباشا أن "يعصر على نفسه ليمونه" ويقبل بأن "يُجند" الفلاحين، لكن كان الوضع أشبه باصطياد "الحمير" لكنها ليست وحشية بل "حمير بلدية" لا تعرف غير حمل الأثقال؛ لكن الباشا أراد ان يُضيف لها "حمل السلاح" أيضاً. وكانت بداية هذا الجيش "مُبشرة" فاستطاع أن يُساعد السُلطان (محمود) في حربه ضد الثورة التي اندلعت في اليونان، ولكنه بعد سنوات وجه نفس هذا الجيش ضد سيده وولي نعمته بعد أن أدرك أن "القوي الدولية" تؤيده وترعاه. لكن (شارل ماري) يقول إنه "مفيش أمل" فيُحبطنا بإجابته عن سؤال: هل التدريب العسكري يمكن فعلاً أن يُحدث هذا التغيير؟ هل يمكن من خلاله أن يخرج من شعب مُستعبد بائس جبان "جيش شجاع"؟ -فينفي أن هذا مُمكن «أعتقد أنه لا يوجد أي تدريب عسكري ممكن ان يُحوّل المصريين الحاليين لجنود جيدين لا سيما الضباط منهم فبما أنهم من السُكان المحليين فهم من نفس الطينة ونستطيع أن نري الفلاح بسهولة تحت الزي العسكري الذي يرتدونه.» ويسرد لنا قصة قبل الاحتلال الإنجليزي، فحينما بدأت "الاضطرابات" في مصر بين الخديوي توفيق والجيش بقيادة عرابي بدأت القوتان العظميان وقتها فرنسا وانجلترا في التفكير في "غزو" مصر خوفاً على مصالحها من أن يُهددها "أهوج" لا يدري ما يفعله. من ناحيتها قررت فرنسا قبل أن تغامر بجيشها ولتكون على بيّنه من أمرها في حالة اضطرت للمواجهة أن تُرسل رجل عسكري لمصر لكي يقف على "إمكانات" وقدرات الجيش المصري. وبالفعل وصل هذا الرجل –لابد أنه قدم بوصفه "مُستشار عسكري"-  لمصر ودخل معسكرات الجيش واطلع على تدريباته وتسليحه و "مناوراته" ثم كتب تقرير مُفصل لحكومته مفاده أن "الجيش المصري وحوش كاسرة" وأن فرنسا تحتاج على الأقل 50000 جندي لكي تستطيع أن تتغلب عليه في حال مواجهته. هذا التقرير جعل فرنسا تُحجم عن أي عمل عسكري للتدخل في مصر خوفاً من "الوحوش" وأفسحت المجال أمام غريمتها إنجلترا لتهزم "الوحوش الكاسرة" وتجعلهم "حُمر مُستنفرة" بسهولة ويُسر.

مشكلة المصريين ليست في أنهم لا يمتلكون "العضلات" فكثير منهم يمتلك قوة وتحمل وصبر البغل لكن مُشكلتهم أنهم يعتقدون أنّ البغال ممكن أن تصير يوماً أُسوداً.

 ويعزو (شارل ماري) هذا "الخطأ" في تقدير قدرات الجيش المصري إلي طريقتنا في الحكم الظاهري على الأشخاص بدون الأخذ في الاعتبار الجوانب النفسية والأخلاقية لهم. فكما يقول من يري الجنود المصريين من الخارج وبنيانهم وتحملهم للظروف القاسية وعدم تذمرهم ورضائهم بأقل الأمور يقول إن هذا جيش قوي. لكن حين المواجهة سيهرب هذا الجندي "الوحش" عند انطلاق أول رصاصة لأنه ببساطة لا يمتلك إرادة القتال؛ وفي مواجهة هروبه هذا لن ينفع معه أي علاج أو حتى التهديد بالعقاب لأنه يمتلك قدرة غير محدودة على التحمل وسحق الكرامة إلى حدود حتى الحيوانات تعجز عنها.  ما قاله شارل ماري في 1893م قبل أن نري "انسحابات جيش الاستقلال الوطني" في 56 و67 -ولولا أن "حرب أكتوبر المجيدة" لم تستمر إلا أسبوعين لكُنا رأينا "انسحاباً جديداً"- والتي لم تكن مجرد "نكسات" أو بسبب "فساد القيادة" بل هي جزء من طبيعة هذا الجيش فالطريقة التي يتبعها – بل ويتبعها جيوش المنطقة كلها- في سحق كرامة جنودها لا يُمكن أن تُنشئ "مُقاتل شجاع". نعم سيكون لديك "عبيد" يُنفذون أوامرك لكن هؤلاء العبيد لن يكونوا ذوي فائدة إذا غضبت عليك قوة كُبري. جيوش المنطقة في الحقيقة هي جيوش "ورقية" رغم ما تحويها ترساناتها من آلاف الطائرات والصواريخ والدبابات؛ فهي لا تستطيع تأمين استقلال أو مصالح أوطانها. وما التصنيفات التي نقرأها أنّ الجيش المصري أو غيره في ترتيب مُتقدم بين الجيوش العالمية إلا أن هذا ترتيب ينظر لـ"الأرقام على الورق" لكن القوة الحقيقة هي في أرض الواقع من يُسيطر ويحكم ويُحرك، بالتأكيد ليست تلك الجيوش "فالريموت" الذي يُحرك الجميع في أيدي غيرها.


لكن كما يقول دوق هاركورت أن انجلترا لم تُخدع مثل الفرنسيين ولم تأخذ قوة هذا الجيش محمل الجد واستطاعت بسهولة أن تأخذ مصر كلها وأن يُصبح هذا "الجيش" مجرد "فرقة" تابعة للتاج البريطاني. نفس هذا الخطأ ارتكبته فرنسا في العام 1840 حين "انتصارات" (إبراهيم باشا) على الأتراك وهزيمة الجيش العثماني هزيمة ساحقة في معركة (نزيب)؛ فاعتقد الفرنسيون أن هذا الجيش لن يقف أمامه شيء وأن الباشا قادر علي هدم المعبد على رؤوسهم ولذلك يجب ألا يتم "استفزازه". لكن أصوات فرنسية محدودة لم يُلتفت إليها كانت تعلم حقيقته، فالأدميرال الفرنسي (روسين) قال تحت "قُبة البرلمان الفرنسي": «تتحدثون عن قوات الباشا، تتحدثون عن جيشه واسطوله. إنه لا يمتلك إلا المظهر الخارجي فقط لجيش ولأسطول. إن كُل جُنوده مُتحدين لا يستطيعون مُقاومة فوج أوربي واحد. أما بالنسبة لسُفنه فأعطوني فُرقاطة واحدة، واحدة فقط لأُشتت وأحرق تلك السُفن. لقد رأيت تلك القوات والبَحَارة عن قُرب ولذلك لا أُعاملهم وأنظر إليهم بأكثر من أن يكونوا مُجرد خُدعة ووهم زائف.»

لو كان "روسين" حياً لضحك على هبل وعبط المصريين الذين يعتقدون أن عندهم "جيش" فقط لأنه يمتلك "أسلحة متطورة".

 وقد كان، فقامت إنجلترا بـ 1500 جندي ومساعدة الأتراك بالهجوم على جيش الباشا "العرمرم" بقيادة ابنه (ابراهيم) الذي انسحب للجبال، ثم في أيام سقط كل ما "سيطر" عليه الجيش المصري: فاستسلمت بيروت بعد قصف قصير وكذلك عكا وتفكك جيش الباشا وحلت فيه الفوضى وبدأ الانسحاب المعتاد وأصبحوا بين شقي الرحي بين السكان الذين يقاوموه وبين البدو الذين ينهبون ارتاله وعاد خائبا حسيراً تاركاً ورائه 60000 جثة، وكان هذا آخر عهد هذا "الجيش" بأن يكون جيشاً.


وينقل عن الجنرال جوردان القائد الإنجليزي في العام 1875 الذي كان يقود حملات إسماعيل باشا جنوب السودان ففي خطاباته يصف جنود وضباط الجيش المصري بالجبن ولا يجئ على ذكرهم إلا بنبرة ملئها الاحتقار. ويعلل (شارل ماري) سحق الجيش المصري علي يد ما سُمي بـ"الثورة المهدية" في السودان في 1883م لسببين هما: جبنهم و وحشيتهم. فوحشيتهم على الضعفاء والمساكين جعلتهم مكروهين ممقوتين وجبنهم حين المواجهة جعل هزيمتهم أسهل ما يكون. ثم يتساءل هل الشجاعة –التي يفتقر لها المصريون- هي في التحمل ومواجهة الموت بثبات فقط؟ أو بعبارة آخري هل المصري الذي يتحمل الآلام ويصبر على الشدائد ويتقبل الموت بثبات هل يمكن ان يكون جباناً؟ الا يوجد تناقض في هذا؟ -لو كانت هذه الصفات هي دليل الشجاعة لأصبح "العبيد" هم أشجع الناس، فالعبد يُباع ويشتري يتحمل ويصبر يُضرب فيشكر وإن أراد صاحبه قتله يمتثل ولا يعترض. إن تلك الصفات كُلها هي صفات سلبية، بمعني انها لا تتطلب من الشخص فعل شيء؛ بل تتطلب منه ألا يتحرك وإن وجدت وحدها دلت على ذلة وخنوع وجبن فاعلها. الشجاعة هي في الأساس صفة إيجابية تتطلب من الشخص أن يقوم بدفع وبمقاومة، بمبادرة ما يخاف منه لا أن يصبر على مُحتليه أو يتحمل سياط جلاديه أو يشكر مَنْ أهانه وأذله ويُسلّم "قفاه" لكل عابر سبيل.


يبدو إنه "مفيش فايدة" و"مفيش أمل" طبقا لـ(شارل ماري) فقد رأينا أنه منذ صدور كتابه حتى اللحظة التي أكتب فيها تلك الكلمات أن وضع المصريين كما هو، رغم اختلاف الزمن و "استقلال" مصر ووجود "جيش وطني"، لكن يا تُري أين الخلل في كل هذا؟ -لعل الخلل الأكثر وضوحاً أنه في خلال تلك المحاولات –على الأقل منذ عصر محمد علي- من أجل "تغيير" المصريين لم تكن تهدف فعلاً لتغييرهم بقدر ما كانت هي محاولة من السُلطة لاستغلال أمراضهم تلك -بل والعمل على تأبيدها ونشرها- لصالحها. فحتي الجيش الذي هو عصبها وقلبها النابض لم يحظى جنوده بالمعاملة الكريمة في معظم الأوقات ولم يكونوا إلا "مماليك" محليين؛ لكن على عكس المماليك القادمين من الخارج كان "العسكري الغلبان" ليس لديه أي أمل في أن يُصبح يوما ما "أميراً" وكُل أمله إن لم يستطع الهروب من التجنيد، أن يُنهي خدمته بسلام.


يُخبرنا الدكتور (ارنست جودار) (1826م-1862م) بلمحة لوضع "العسكري الغلبان" وقتها، وكانت الخارجية الفرنسية قد كلّفته في العام 1861م بدراسة الأوضاع والعادات الأخلاقية والصحية بأدق تفاصيلها لمصر وفلسطين للوقوف على الأسباب التي أدت لحالة "الجمود" لسكان تلك المنطقة رغم ان العالم يتحرك من حولهم. فآتي (د. جودار) لمصر وتجول في مستشفياتها ومصحاتها وقابل "عينات كثيرة" من البشر: أطباء ونخاسين وخصيان وحشاشين ومرضي بل وحتى عاهرات. وتم نشر "يومياته وملاحظاته" في كتاب بعد وفاته إثر مرض أصابه وهو في فلسطين فمات في "ريعان شبابه". الكتاب هو: " مصر وفلسطين: ملاحظات وتعليقات علمية وطبية" (3) الكتاب مُعظمه كما هو واضح من عنوانه وصف طبي دقيق للكثير من الأمراض التي كانت منتشرة في المنطقة من الجُذام والفلاريا أو داء الفيل والسيلان إلى "حَمو النيل أو حَبْ النيل" وتكلم أيضا عن كيفية "الطهور أو الختان للذكور والإناث" ومراسم الزواج و "فض البكارة" والحيض؛ وإن كان فيما يتعلق "بالحريم" وشئونهم كانت مُعظم مُلاحظاته "سماعية" من نساء تم حذف أسمائهم من نسخة الكتاب. فنجد "مدام اكس" حاضرة حين يفشل في أن يري بنفسه ويُلاحظ. هذا بالإضافة –طبعاً- لكلامه عن بيوت الدعارة الكثيرة بالقاهرة ووصفات الحشيش و"المقويات الجنسية" التي كانت منتشرة وقتها.

بورتريه للدكتور ارنست جودار من كتابه.

وينقل لنا (جودار) أنّه في إحدى المرات أخذه مهندس انجليزي ليُريه "الطاحونة العربية" والتي ما هي إلا رحايا لكن بمقياس أكبر، والتي لم يري فيها ما يُثير؛ لكنه قابل هناك "طحّان" ولاحظ أن إصبع سبابته مقطوع، فسأله عن السبب فحكي له الطحّان قصه عن لدغة ثعبان لإصبعه في صغره، مما اضطر والداه بأن يقطعوه خوفا من انتشار السُم، لكن (جودار) لم يُصدق تلك القصة ويقول «نري باستمرار في مصر مثل تلك التشوهات والبتر، فقد رأيت أُناس ابهامهم مقطوع وآخرين عُور، ورأيت أحدهم ابهامه مخلوع من مكانه تماماً. كُل هذا من أجل تجنب التجنيد، لأن الفلاحين لديهم هلع من الخدمة العسكرية؛ لكن يبدو مع ذلك انهم لا تنقصهم الشجاعة حينما يتم قيادتهم بشكل جيد. « ويصف لنا (د. جودار) مشهد المُجندين في سجن المنيا حيث تم وضعهم فيه خوفاً من هروبهم «شاهدت حوالي المائة على الأقل من الفلاحين صغار السن يجلسون القرفصاء في مجموعات؛ فسألت عما هي جرائمهم، فعلمت أن هؤلاء الذين امامي هم المجندين صغار السن الذي ينتظرون في السجن حتى يتم نقلهم إلى القاهرة. وأنهم لا يدعونهم يخرجون خوفاً من هروبهم (...) لا يغيبون عن أنظار ألباني هزيل طويل القامة والذي يبدو أنهم يخافونه كثيراً (...) هؤلاء التُعساء سيكون عليهم أن يقضوا مدة في الخدمة غير مُحددة. إنهم يبدون فعلاً كقطيع.» هذا كان في عام 1862 م يعني بعد أكثر من 40 عاماً من تأسيس هذا الجيش. وما كان يحدث لـ"جمع" هؤلاء كان أقسي وأعنف حيث كانت "الحملة" تهبط على القرية تحت جنح الظلام، لكي "تكبس" على "المطلوبين" للخدمة ويتم جمعهم وربطهم بالسلاسل كالمجرمين ثم بعد "الفحص الطبي" يتم "فك أسر" من لا يصلح للخدمة ليعود لبلدته حامد الله علي "تشوهاته" الخِلقية التي مكنته من أن ينفذ بجلده. فيتم أسر الفلاح وابعاده عن عائلته وأرضه وترك عياله -ان كان له عيال- ويتم تدمير أُسر بكاملها بتلك الطريقة، ولذلك مع الوقت بدأ الفلاحون ليس في مقاومة تلك الأعمال الوحشية فـ"المصريين عمرهم ما يعملوا كده"؛ بل قاموا "بابتكار" وسائل لتشويه أنفسهم –يا سلام علي "العبقرية"- لكيلا يصلحوا للخدمة العسكرية فهذا "يخرق عينه" وهذا يقطع "صُباع" أو يهرب من البلد كُلها.


وعلى هامش هذا فقد قابل (د. جودار) في مصر الدكتور الألماني (تيودور بلهارس) (1825م-1862م)، الذي توفي هو الآخر في نفس العام في ريعان شبابه، الذي اكتشف طفيل البلهارسيا الذي سُمي باسمه والذي كان ينهش أكباد المصريين، لكن الآن حلّ محل البلهارسيا فيروس (سي) الذي يقوم بتلك المهمة بنجاح، كما حلّ "الترامادول" محل وصفات الحشيش التي يُخبرنا عنها والتي كانت تستخدم "لإطالة الوقت" حيث لا توجد أي وسائل آخري "للتسلية".   وقد كان (د. بلهارس) رئيس قسم الأمراض التناسلية (الجنسية) حيث شرح لـ(جودار) طبيعة المرضي المصريين وأنّ «المرضي في القاهرة لا يذهبون للمستشفى حين اصابتهم بالسيلان كما أنهم لا يعلمون أي شيء عن هذا المرض.» وهذا طبيعي فإذا كان "الدكاترة" المصريين أنفسهم وقتها كانوا على درجة عالية من الجهل والغباء، حيث يقول إنهم حين انتهاء دراستهم لا يفتح منهم أحد أي كتاب ليُنمي معرفته، وانهم إذا مارسوا تلك المهنة فإن ما يُحدثونه من الأضرار أكثر مما يعالجونه؛ وأقصي ما يبرعون فيه هو إعطاء التحصينات، كما أنهم معدومي الأخلاق يحاولون السرقة بكل وسيلة ممكنة، لكنه لم يُخبرنا سرقة ماذا أو مَنْ.


ولكي نخرج من هذا "الجو الكئيب" الذي أدخلنا فيه كل من (شارل ماري) و (جودار)، لكي نُكمل تلك الكآبة -إن شاء الله- المرة القادمة، وندع المعلم (نقولا) يُخبرنا بجزء من روايته، سنختم بقصة الست (سكينة) التي وردت في كتاب (د. جودار)، فقد كانت "كوب الشرق" قبل أن تخطف منها هذا اللقب بعد ذلك "أم سحلول" الشهيرة بـ (أم كلثوم). وكانت "الست" فلاحة بسيطة تحمل الطين في إحدى "الأبعديات" ثم "ربنا فتح عليها" وأصبحت راقصة ومغنية واشتهرت حتى أصبحت "معبودة" الباشوات، وأنعم عليها سعيد باشا بنفسه بطربوش مُرصع بالألماسات، هذا الطربوش الشريف كان يقترضه البعض –طبعاً "مش أي حد"- في الأفراح ليوضع على رأس العروسين للتشرف والتبرك. وكانت الست تُغني لأولاد الذوات لكنها كانت يجب أن تأخذ موافقة الباشا أولاً. حين جاء (جودار) كانت الست (سكينة) وصلت الخمسين فتوقفت عن الرقص –بحكم السن- لكنها كانت ماتزال تُغني، ويقول عنها انها لم تكن جميلة الشكل وجسمها لم يكن يحتوي على أي "مرتفعات" يمكن النظر إليها. لكن يبدو أنّ فتنتها كانت في صوتها؛ فنجد الأتراك والخواجات يطربون حين سماعها، لكنها كانت –بحكم الوسط- امرأة لعوب فهي تُغني للرجال فقط؛ وبيتها ما هو إلا ستار للقاء "العُشاق" وهي نفسها تلعب "وسيطة" بين نساء عِلّيه القوم والبهوات والباشوات الذين يريدون قضاء أوقات "ممتعة" في مقابل مادي سخي حتى أصبحت (سكينة) من الأغنياء الموسرين. لكنها لم تُنجب لأن زوج الست كان "قُرني" من الطراز الأول لا يري، لا يسمع، لا يعرف، فقط يقف يُنفذ أوامر الست.


توقفنا المرة السابقة عند نجاح (نابليون) في اقتحام أسوار يافا واعمال السيف في المقاتلين حتى أنه قتل منهم الآلاف. هذا غير الاغتصاب والنهب والحرق الذي عمّ المدينة فنقرأ مشهد "تاريخي" مُكرّر –وإن كان تكراره لا يمنع بشاعته- «كل المنازل قد تم سلبها، كل المحال قد نُهبت. الاغتصاب والقتل والحرق سري بالمدينة وسط صيحات الانتصار وصرخات الرُعب والخوف. مجموعات مُختلطة من نساء بشعور شعثاء وأطفال نصف عُراة وعجائز ينتحبون في شُرف المنازل يُطلقون صرخات التحذير مُحركين أياديهم بيأس. في كل مسكن وفي كل باحة منزل هُناك قتال يدور ومذّبحة تتم. أمام باب الحريم تتناثر الجُثث، والجنود يغتصبون الفتيات والنساء امام جثث آبائهم وأمهاتهم. لقد انهدمت كل انسانية داخل هؤلاء الذين أصابهم السُّعار، لقد نزع التعطش للدماء وهيجان الاغتصاب وحُمي الغنائم أي رحمة أو شرف من قلوبهم.» (4)


 ثم جمع نابليون الأسري- الذين ما استسلموا إلا بأمان عدم قتلهم- وبدأت عملية "الفرز" «وفي ثاني الأيام، احضر أمير الجيوش الأسارى، وأطلق سبيل من كان من الاقطار الشامية. وميّز المصريين وأكرمهم غاية الاكرام. وكان منهم السيد عمر مكرم نقيب الاشراف الذي كان هاربا واعطاه الامان، وامره ان يرجع الى الاوطان. واما الهوارا والارناوط امر بقتلهم جميعا، لان كان البعض منهم في قلعة العريش، وحين أطلقهم امرهم ان يذهبوا الى بلادهم سالمين، فاتوا الى مدينة يافا وحاصروا بها. فقتلهم جميعاً من دون بعض انفار من الاغاوات الكبار، وارسلهم أسرى مع هجانة الى قايمقام يعرفه بالأخبار عن هذا الانتصار. وان يوزع من الديوان الكتابات كما جرت لهم عادات. ويخبر المصريين في انتصار الفرنساويين على مدينة يافا.» وتم نشر المكتوب كالعادة يخبروا فيه الناس "بتوفيق الله" للفرنسيين وأنّ الله راعيهم وحاميهم، والحمد لله ان نابليون قد بادر بالهجوم علي الجزار وجنوده فالجزار "الشرير" كان يُجهز حملة «ليسيرها إلى اقليم مصر مسكن الفقراء والمساكين، ومُراده يتوجه اليها بأشرار العربان من سفح الجبل. ولكن تقادير الله تُفسد الحيل قاصداً سفك دماء الناس مثل عوايده السابقة. وتجبره وظلمه مشهور، لأنه من تربية الماليك الظلمة المصرية. ولم يعلم، من خسافة عقله وسوء تدبيره ان الامر لله وكل شيء بقضایه وتدبيره.» ورغم هذا كُله فقلب نابليون "شفيق رحيم" وحاول مع المتحصنين "بالذوق" لكنهم خالفوا قوانين الحرب وقتلوا الرسول الذي بعثه إليهم. فلم يجد طريق إلا أن يهدم الأسوار ويقطع الرقاب لكي يعلم الجميع أن لا مرد لقضاء الله «وقُتل أكثر من اربعة الاف من عسكر الجزار في السيف والبندق، لما وقع منهم من الانحراف. واما الفرنساوية لم يُقتل منهم الا القليل، والمجاريح منهم ليس بكثير. (...) ووجدوا في القلعة أكثر من ثمانين مدفع. ولم يعلموا انه مع مقادير الله، الة الحرب لا تنفع. فاستقيموا يا عباد الله وارضوا بقضاء الله. ولا تتعارضوا على احكام الله. وعليكم بتقوى الله. واعلموا ان الملك لله یوتیه لمن يشاء والسلام عليكم ورحمة الله.»


وينقل لنا أحد جنود الحملة الفرنسية (5) "حيرة وألم" (نابليون) حين اضطراره للقيام بمذبحة الأسري تلك. فبعد اقتحام المدينة والمعارك التي دارت والنهب والقتل والاغتصاب الذي استمر بلا انقطاع طيلة يومين كاملين، ثم أخيراً هدأت "العاصفة" وتبقي من الأسري 3000 من الأرناؤوط والألبان. «كان هؤلاء الأسري أياديهم مُقيدة وراء ظهورهم، ينتظرون مصيرهم في صمت مُطبق. خلال ثلاثة أيام اجتمع مجلس الحرب المُشكّل من الجنرالات بحضور نابليون بدون أن يقرروا شيء بشأنهم. وأخيراً عُقدت جلسة أخيرة.» التي قرر فيها نابليون اعدامهم، لكن يقول أنّ النقاش داخل تلك الجلسات كان طويل وكانت هناك رغبة فعلية في "انقاذ أرواحهم"، لكن ماذا سيفعل (نابليون) بكل هؤلاء الأسري؟ فهو ليس لديه من المؤونة ما يكفي، وإن أطلق سراحهم سيذهبون للجزار ويُحاربونه من جديد، وإن هو تركهم حيث هم فسيحتاج لأن يُبقي فرقة من جنوده لحراستهم وهو يحتاج كُل جُندي ليبدأ الزحف نحو عكا. ويقول نابليون دفاعاً عن "جريمته" أن كثير من هؤلاء الأسري كان قد أعطاهم الأمان وتركهم يعودون لبلادهم لكنهم عادوا ليُقاتلوه مرة آخري، ولذلك كان عليه –كما يقول- أن يُحافظ علي سلامة جنوده «ولا أسمح لهؤلاء الأسري أن يُكرروا مثل تلك الخيانة. كان من المستحيل أن أوافق علي ترك جزء من جيشي لحراستهم والذي قلّ عدده بسبب غدر وخيانة هؤلاء البؤساء. ثم أخيراً، فإن أي تصرف آخر كان سيكون وكأنني أريد دماري. وبالنتيجة فباستخدام قوانين الحرب التي طبقاً لها فلي الحق بأن أقتل أسري قد أُخذوا في مثل تلك الظروف.» (6) ويأمر نابليون بإعدام الأسري الذين كانوا في قلعة العريش ولكنهم رغم عفوه عنهم حملوا السلاح مرة آخري في وجهه في يافا، لكنه عفا عن الآخرين. ولا يري (نابليون) فيما فعله أي "تطرف"، بقوله إن ما فعله كان سيفعله «(ويلنجتون) (7) وكل الجنرالات الذين قد يقودوا جيشاً في مثل تلك الظروف.» ويخبرنا النقيب (فيرتراي) بمشهد الإعدام حيث يقول أنّهم في يافا واجهوا الأمرّين «وأيضا بالقرب من تلك المدينة البائسة أمر بونابرت بإعدام كل آسرانا المسلمين رمياً بالرصاص. فتم قيادتهم لشاطئ البحر، وكان عددهم أكثر من ألفين، حيث قُتل مُعظمهم بخناجر البنادق. لكني لم أشارك في هذا المشهد المرّوع.» (8)


بعد المذبحة بدأ انتشار الطاعون في يافا، وكُنّا قد رأينا في رواية الجبرتي بدأ ظهوره في مصر حيث بدأنا نري "الإرشادات الصحية" بنشر الملابس وعدم دفن الموتى قريباً من المساكن وخلافه، لكنه في يافا بدأ يأخذا شكلاً أكثر وحشية وبدأ يفتك بالجميع ضباطاً وجنوداً وسُكاناً، وسري القلق بين الجنود ومع كثرة عدد المطعونين تم تحويل عدة أديرة إلى مستشفيات ميدانية للعلاج «زادت أعداد المرضي بنسبة مخيفة، وسري الرُعب بين جنودنا وقد اعتري الوهن والضعف عدد كبير من الضباط الذين أنهكتهم متاعب الحملة، واحد منهم هو المُساعد جنرال (جريزيو) والذي كُنا نُعجب بشجاعته في القتال؛ قد فقد كل رباطة جأشه وغادر خيمته ليحبس نفسه في أحد البيوت حيث كان لا يتواصل مع من هم خارجه إلا عبر فتحة في الباب. لكن هذه الاحتياطات لم تكن ذي نفع فقط مات هذا الضابط البائس وسط آلامه المرّوعة.»


هذا الطاعون يُسببه نوع من البكتيريا توجد في كثير من القوارض وتنتقل للإنسان بشكل رئيسي عن طريق "البراغيث" التي تعيش على امتصاص دماء ضحاياها، وتصبح تلك البراغيث ناقلة للبكتيريا من الحيوان المُصاب إلى الإنسان ومن ثم من إنسان لآخر. بداية المرض هو بشعور عام بتغير المزاج وفقدان الرغبة في كُل شيء، بعد هذا تبدأ ألام حادة بالرأس وارتعاشات تسري في كل أوصال المريض، ويشحب وجهه وتُصبح عيناه باهتة بلا حراك، وينتاب المريض شعور وكأن هناك نار تسري في أعضائه حيث يسقط المريض في سُبات عميق مع تشنجات حادة في عضلات الوجه، حيث تبدأ الحُمي التي تُدخل المريض في حالة من الهذيان، وفي تلك الحالة قد يقوم المريض من سريره مندفعا خارجاً فيلقي نفسه في الماء في محاولة منه ليطفئ تلك النيران التي يشعر بها، ولا تتوقف حالة الهذيان غالباً إلا مع الموت. والذي يٌقاوم حتى يهدأ هذا الهذيان تبدأ دماء سوداء تخرج من جميع فتحات جسمه وتتورم غدده الليمفاوية بين فخذيه وتحت ابطيه. وقد يُصيب الطاعون الشخص لعدة ساعات أو عدة أيام قبل أن يجيئه الموت؛ لكن كُلما طال الوقت كُلما ازدادت آلامه ومُعاناته. (9) في مثل هذا الوضع اضطر نابليون ليذهب في زيارة للمرضي لكي يُطمئن جنوده بأن المرض غير مُعدي -لكنه في الحقيقة مُعدي- «زار المستشفيات بُصحبة هيئة اركانه وفي تلك التي كان فيها المطعونين توقف بجانب أسرّة الجنود ووجه لهم كلمات مُواسية ومُشجعة. ومن اجل أن يُقنع المرضي ان المرض غير مُعدي مَسّ عدة مطعونين وساعد في حمل جثة أحد الجنود التي كانت مُلطخة تماماً بإفرازات بِثُورِه، وأخيراً وتحت الحاح ديجنيت (المسئول الطبي للحملة) غادر المستشفى مصحوباً بدعوات هؤلاء الجنود الذين على حافة الموت.» وحين خروجه لاموه على تهوره لكنه اجابهم بهدوء «هذا واجبي فأنا القائد العام.»

 
نابليون يزور مرضي الطاعون.

بعد السيطرة على يافا أصبح للفرنسين خط امدادات مهم عبر البحر من دمياط إلى يافا مُباشرة وهو خط أسرع من الطريق البري الطويل والشاق. لكن الأدميرال (سيدني سميث) سرعان ما سيقطع خط الإمدادات هذا، لتصبح الحملة على الشام مجرد مضيعة للوقت. فحين بدأ (نابليون) بالتحرك نحو عكا يقول (نقولا) «ثم أن أمير الجيوش سار بالعسكر قاصداً مدينة عكا على طريق الجبال. ولما وصلوا إلى أراضي قاقون، فكانت عساكر الجزار والنوابلسیة مکمنین في الوادي الذي هناك. وحينما بلغهم قدوم الفرنساویة اخرجوا منهم من فمّ الوادي خمسمایة مُقاتل، وبدوا يرمحون تجاه العسكر. وكان قصدهم ان يجروهم الى ذلك الوادي.» لكن تدور اشتباكات بين الطرفين ويتمكن الفرنسيين من اجبار المماليك وأهل نابلس على التراجع وبعد مناوشات يُصاب الجنرال داماس إصابة بالغه في ذراعه ويُقتل عشرات الفرنسيين. لكن نابليون بدلاً من أن يقضي على تلك "الغارات" التي تشتت جهود جيشه، استمر في مواصلة السير نحو عكا علي أمل أنه بالسيطرة عليها سيكون "تأديب" هؤلاء أمر هيّن يسير.

موقع "المناوشات" ونلاحظ موقع نابلس الحصين خلف الجبال.

بعد أن يُعسكر الفرنسيون ليلتهم بالقرب من بلدة (زيتا)، يبدؤون مع بزوغ الصباح في التحرك شمالاً، لكن جاء هطول الأمطار الغزير ليجعل التحرك والسير في مثل تلك الأجواء في منتهي الصعوبة. وحين علم عساكر الجزار في حيفا بتقدمهم انسحبوا في اتجاه عكا بأسلحتهم وتركوا المدينة بلا حماية. حيث تم تسلميها "تسليم أهالي" فخرجت «أهالي البلد الي مقابلتهم، وسلموا أمير الجيوش مفاتيح البلد والقلعة، فأكرمهم وأعطاهم الامان. ودخلت الفرنساوية مدينة حيفا، فوجدوا بها قاربا صغيراً فيه جماعة من مراكب الانكليز فأخذوهم أساري.» بعد أن "يستلم" (نابليون) حيفا يتوجه بجيشه إلى عكا حيث يصلون أمام نهر النعامين جنوب شرق المدينة في 18 مارس، لكن لظروف الأمطار الغزيرة يصعب عبور الجيش فيضطر نابليون للمبيت حتى يتم بناء "جسر العبور" وفي الصباح يتحركون مُجدداً ويدخلون في اشتباكات مع عسكر "وقناصة" الجزار الذين كانوا متربصين لهم بين الأشجار لكن بلا أي جدوى، فيواصلون تقدمهم حتى يصلوا لأسوار المدينة في 19 مارس، حيث تتم الاستعدادات الحصار بحفر الخندق لإخفاء تحركاتهم وتجهيز المدفعية لقصف الأسوار.

ما بين تسليم مدينة حيفا "تسليم أهالي" وبين "حماية" الإنجليز لعكا مازال البعض يتسائل عن سر "انحطاط العرب".

في تلك الأثناء ولكي "يُسلّي" (نابليون) نفسه أرسل رسائل لحكام وشيوخ وعلماء ووجهاء المدن المجاورة. وكما رأينا من قبل أنه كان قد أرسل للجزار نفسه رسالة قبل وصوله لأسوار عكا. كما أرسل للأمير (بشير الثاني) يُمنيه ويُغريه ويطلب منه مُساعدته وأن يترك القري الدرزية تبيع للفرنسيين ما يحتاجونه من مؤونة وهو ما قامت به تلك القري بحماسه، أما النصارى فكانوا "أذكي" فأظهروا تحفظ في معاملتهم مع الفرنسيين. ونجد رسالة له وهو في يافا لشيوخ وعلماء وحاكم القدس يقول بعد الديباجة المملة بأنه "صديق للمسلمين" لم يجئ ليحارب المسلمين وانه فقط يريد ان يُخلص "العالم" من المماليك والجزار وشرهم «ولسكان القُدس الاختيار بين السلام أو الحرب. فإن اختاروا الأول فليبعثوا للمعسكر في يافا مُمثلين عنهم ليتعهدوا بأن لا يفعلوا أي شيء ضدي. وإن كانوا حمقي كفاية ليختاروا الحرب فسأحاربهم بنفسي. يجب ان يعرفوا أنني قاسي كنار السماء اتجاه أعدائي. وعفوّ رحيماً اتجاه من يريدون صداقتي.» (10) ومن أمام أسوار عكا بعث برسالة لأبناء (ظاهر العمر) "يُمجد" فيها أبوهم " قتيل الجزار"، أبوهم الذي كانت علاقته بالفرنسيين جيدة والذي استولي الجزار على "مملكته" بما فيها عكا. هذا الجزار «رجل متوحش عدو للشعب، والله الذي يُعاقب الأشرار إن عاجلا أو آجلاً، قد أراد اليوم أن تتغير الأمور. فقد اخترت الشيخ عباس الظاهر ابن ظاهر العمر بان يكون حاكماً على طبرية، وهذا بالنظر لجدارته ومزاياه الشخصية وأنني مُقتنع بأنه سيكون كوالده يكره الانتهاكات والتعديات ويفعل ما فيه خير الناس. وبموجب هذ آمر شيخ البلد وسُكان طبرية بالاعتراف بالشيخ عباس الظاهر كحاكم لهم. ولقد البسناه بالتالي كسوة. كما آمر أيضاً شيخ البلد بالناصرة بأن يُعيد البيوت والحدائق والممتلكات الأخرى التي كان يمتلكها الشيخ ظاهر العمر بها.» ويقول (نقولا) أن الشيخ (عباس) كان قد حضر إلى (نابليون) «واعرض لديه احواله. فترحب به واعطاه السلاح والكسوة وعشرة اكياس، وكتب له ان يكون متولياً بلاد ابيه.» ورغم أن الفرنسيين لم يكونوا يسيطرون بعد على طبرية إلا أنّ هذا كان باعتبار ما سيكون بعد أن تسقط عكا. وقد ذهب لـ(نابليون) أيضاً «مشايخ بني متوال (شيعة جبل عامل جنوب لبنان حالياً) فأعطاهم حكم بلادهم. وصاروا من عند امير الجيوش الي مدينة صور وقدموا له الذخاير من البلاد وتسلموا القلعة التي كانت لآبائهم.»


ثم بدأ القصف «وكان حرباً شديداً مهولاً لم يكن مثله قط لان كانت الفرنساوية تضرب المدافع والقنابر. وفي المدينة كذلك، المدافع والقنابر من الابراج والقلاع والحصون والاسوار. وكانت المراكب العثمانية والمراكب الإنكليزية تضرب كذلك المدافع والقنابر. حتى خُيل لناظرين والسامعين ان مدينة عكا لم يبق منها حجر على حجر واقفين. وارتج الجزار من ذلك رجة عظيمة، وكاد أن يخلو المدينة. واحضر مراكبه للسفر والركوب، وهيا نفسه للذهاب والهروب.» لكن الأدميرال الإنجليزي (سيدني سميث) طمئن الجزار وأخبره أنه قد استولي من الفرنسيين على ثلاثة مراكب تحوي ذخيرة «ومدافع قوية فشجع فؤادك على محاربتهم، لأنني قد اضعفت قوتهم «. فبيقظة سميث وبسيطرته على البحر استطاع الاستيلاء على المدافع التي كانت ستسهل مهمة نابليون، فرغم أن نابليون كان "مُحاصراً" لعكا براً إلا أن خط امداداتها عبر البحر مازال يعمل بكامل طاقته؛ مما يعني أن الحصار بلا أي فائدة وأنّ الأمل الوحيد هو أن يستطيع فتح ثغرة في أسوارها لكي يُسيطر عليها. هذا الأمل الذي سيتلاشى مع الوقت، لكن قبل أن ييأس نابليون وجنوده لنتوقف عند هذا الحد ونُكمل -إن شاء الله- المرة القادمة.

******************************************************************************************************
 (1L'Égypte et les égyptiens, par le duc d'Harcourt, 1893 
(2) سنأتي –إن شاء الله- على تفاصيل الأسماء والشخصيات والأحداث التي سنذكرها هنا اجمالاً حينما ننتهي من الحملة الفرنسية ونبدأ في تتبع مسيرة الباشا وجيشه.
(3) Égypte Et Palestine Observations Médicales Et Scientifiques, Par Ernest  Godard, 1867.
(4) Histoire Scientifique Et Militaire De L'expédition Française En Egypte, Louis Reybaud, 1830.

(5Campagne De Bonaparte En Égypte Et En Syrie, Par Un Officier De La 32e  Demi-Brigade, 1832.
(6) من كتاب لطبيب بريطاني كان مرافقاً لنابليون في منفاه الأخير في جزيرة سانت هيلينا حيث قضي معه ما يُقارب العامين ونصف من نهاية 1815 إلى منتصف 1818، حظي فيها بثقته ودارت نقاشات وحوارات بينه وبين نابليون بخصوص مسيرته والأحداث المهمة التي واجهها. ثم اضطر إلى مغادرة الجزيرة بعد مُضايقات حاكمها الجديد، ونشر ما كتبه خلال تلك الأعوام بعد وفاة نابليون في العام 1821 الكتاب هو:
Complément Du Mémorial De Sainte-Hélène, Napoléon En Exil, Par Le Docteur Barry E. O'méara, 1897.
(7) دوق ويلنجتون هو الفيلد مارشال (المشير) آرثر ويلسلي (1769-1852) عسكري وسياسي بريطاني وهو الذي انتصر على نابليون في معركة واترلو الشهيرة في 1815.
(8) Journal D'un Officier De L'armée d'Égypte, Le Capitaine Vertray, Par H. Galli, 1883. لكن مشهد الإعدام الذي يصفه (لويس ريبو (1879-1799)) الكاتب والسياسي الفرنسي –والذي نقلنا عنه غير مرة- ينقل لنا الصورة بتفاصيل أكثر وسنري هذا المشهد في رواية الغزاة.
(9) Histoire Scientifique Et Militaire De L'expédition Française En Egypte, Louis Reybaud, 1830.
(10) Correspondance Inédite Officielle Et Confidentielle De Napoléon Bonaparte, Egypte.